منذ انطلاقة بطولة الخليج عام 1970، لم تكن كرة القدم وحدها هي التي صنعت لهذا الحدث الخليجي الكبير حضوره واستمراريته وجماهيريته، فقد كان الإعلام الرياضي الخليجي، بمختلف وسائله وأدواته، شريكاً أساسياً في نجاح هذه البطولة وترسيخ مكانتها عبر أكثر من خمسة عقود، وفي خليجي 27، التي اختتمت منافساتها أول أمس في المملكة العربية السعودية، وتحديداً في عروس البحر جدة، كان الإعلام الخليجي حاضراً بقوة، ليس فقط في متابعة المنافسات الكروية وأحداثها داخل الملعب وخارجه، وإنما أيضاً في تقديم صورة مختلفة عن البطولة والمدينة والمجتمع السعودي، الأمر الذي أضاف المزيد من الإثارة والتشويق والمتابعة والجمال لهذا الحدث الخليجي.


-ومن تابع التغطية الإعلامية لخليجي 27، يلاحظ حجم وقوة المنافسة التي كانت قائمة بين وسائل الإعلام الرياضي في دول المنطقة، لكسب رضا المتلقي وجذب اهتمامه بكل انتماءاته الوطنية، والحرص على تقديم مادة إعلامية متميزة من خلال الكلمة والصورة، وفق نماذج مختلفة تتحكم في تحديد نوعيتها الوسيلة الإعلامية وإمكاناتها المادية والفنية والبشرية، وقد كان واضحاً أن كل قناة وكل برنامج يسعى لأن يكون «الرقم واحد» في تقديم تغطية ترضي المشاهد، وتحظى بنجومية أخرى غير نجومية المنتخب البطل والألقاب التي تحققت في هذه البطولة.


-أما الإعلام الورقي، الذي كان في يوم من الأيام فرس الرهان وشريكاً رئيسياً في إنجاح بطولات الخليج، لم يعد كما كان، فقد تغيرت أوراق اللعبة الإعلامية تماماً بعد أن اقتحم الإعلام الرقمي مختلف مجالات حياتنا، وأصبحت البرامج الرياضية والمنصات الإلكترونية تملك حضوراً أقوى من السابق، في ظل واقع إعلامي جديد فرضته السرعة والتقنية والإنترنت والخبر العاجل والصورة المؤثرة والمعلومة المباشرة، التي تصل إلى المتلقي في ثوانٍ، دون أن يحتاج إلى الانتظار حتى اليوم التالي لمعرفة ما ستنشره الصحافة الورقية، وقد أدركت الصحافة الورقية هذه النقلة مبكراً، فسارعت إلى تأسيس منصاتها الإلكترونية، حفاظاً على مكانتها التاريخية وقيمتها الأصيلة، ومواكبة للواقع الإعلامي الجديد الذي فرض نفسه على العالم.


-ومن خلال متابعتي المتواضعة لهذه البرامج في مختلف القنوات الخليجية، وحمى المنافسة الشريفة القائمة بينها، تجد من المشاهدين من يظل تركيزه وإعجابه ببرنامج معين، ولا يفضل غيره، وهناك أيضاً من أصحاب الصنعة من يرى أن برنامجه أو قناته هي الأولى في المشاهدة، وحتى أكون منصفاً وعادلاً، أستطيع القول إن النجاح كانت له صور ورؤى مختلفة من قناة إلى أخرى ومن برنامج إلى آخر.


-فالإعلام الضيف لم يركز في برامجه على الآراء النقدية والتحليل والمادة الخبرية والتصريحات فحسب، وإنما استثمر فرصة وجوده في المملكة العربية السعودية، وقام بدور أشبه بـ«المرشد السياحي»، لينقل لمشاهديه بالصوت والصورة جانباً من العادات والتقاليد السعودية الموروثة، وأصنافاً من الأكلات الشعبية التي عرفت بها جدة وما حولها، إلى جانب بعض الفلكلور والفنون الشعبية والأغاني الحجازية، وهي صورة أخرى جميلة قدمتها هذه القنوات عن المملكة وجدة، ولاقت تفاعلاً وإقبالاً كبيراً من الزوار والمشاهدين، وهو جهد جبار تشكر عليه هذه القنوات والبرامج التي مثلتها، فقد نجحت في أن تجعل من وجودها في المملكة فرصة للتعريف بجوانب أخرى لا تقل جمالاً عن كرة القدم نفسها.


-كان البعض يعتب ويلوم وينتقد، متسائلاً: لماذا لم تكن القنوات السعودية الحكومية والخاصة قادرة على مجاراة القنوات الخليجية الأخرى بالمستوى نفسه من التغطية المتميزة التي ظهرت بها برامجها؟ والسؤال في رأيي مردود عليه بكل بساطة؛ فالقنوات المحلية، الحكومية والخاصة، سبق لها أن قدمت هذا النوع من التميز عبر برامج متنوعة، متخصصة وعامة، وغطت مختلف الجوانب المرتبطة بمناطق المملكة العربية السعودية، وما تشتهر به كل منطقة من خصائص ثقافية وفنية ورياضية واجتماعية، ولذلك كان من الطبيعي أن تأتي الفرصة هذه المرة للقنوات الخليجية الأخرى، لتقدم هي أيضاً تغطيتها الخاصة وبطريقتها المختلفة، وتعرّف المشاهد بجدة والمملكة من زاوية أخرى، وهذا ما حدث بالفعل، ورأيناه وأعجبنا بما قدمته القنوات القطرية والعمانية والعراقية والكويتية والبحرينية واليمنية من تغطيات مختلفة، جمعت بين المتعة والتنافس والتشويق والمعرفة.


-هذا الإعجاب الذي لمسناه من مختلف أطياف المجتمع الخليجي والعربي، ومن الزوار والمقيمين في المملكة العربية السعودية، يؤكد نجاح التغطية الإعلامية لخليجي 27، ويؤكد في الوقت نفسه أن البطولة لم تكن مجرد منافسات داخل المستطيل الأخضر، وإنما كانت مناسبة خليجية متكاملة جمعت الرياضة والإعلام والثقافة والتراث والسياحة.


-ومن خلال الاهتمام الذي لقيته جدة، ومعالمها التاريخية والثقافية، لا ينبغي أن ننسى الجنود المجهولين وراء هذا النجاح، الذين ساهموا في تسهيل مهمة هذه القنوات، ومكنوها من تقديم هذه الصورة الجميلة عن المملكة، وفي مقدمتهم وزارات الرياضة والإعلام والثقافة والسياحة، فمن الواضح أن هذه الجهات قامت بدورها، وهي تدرك مسؤوليتها تجاه ضيوف أعزاء قدموا إلى المملكة لتغطية حدث خليجي كبير، فأدت واجبها المهني، وقدمت نموذجاً مشرفاً للضيافة السعودية.


همسة أخيرة


-الحق يقال.. لم يكن بطل خليجي 27 منتخباً رفع الكأس فقط، وإنما كان هناك نجم آخر خارج المستطيل الأخضر اسمه الإعلام الخليجي، نجح في أن يكون شريكاً حقيقياً في صناعة الإثارة والجمال والنجاح لهذه النسخة من البطولة.