في هذه اللحظة، يسقط الوهم الجغرافي الذي تعايشت معه المليشيا طويلاً. فقد وقع الحوثي في فخ باب المندب. تعامل مع المضيق باعتباره ورقة ضغط يمكن استخدامها في الصراع اليمني، لكنه اكتشف أن أهميته الإستراتيجية تجعل كلفة العبث به أكبر من المكاسب.
باب المندب ليس ورقة يمنية داخلية. إنه ممر رئيسي للملاحة الدولية، وأي تهديد لحركة السفن فيه يتحول سريعاً إلى قضية تتجاوز حدود اليمن. وهذا تحديداً ما أخطأ الحوثي في تقديره. اعتقدت الجماعة أن تهديد الملاحة سيمنحها نفوذاً إضافياً. أرادت أن تقول للمنطقة والعالم إن تجاهلها غير ممكن. لكن النتيجة كانت عكسية.
هنا تكمن المفارقة. الموقع الذي أراد الحوثي استخدامه لحماية مشروعه أصبح سبباً في تضييق خياراته. فباب المندب يمنحه أهمية جغرافية، لكنه لا يمنحه حق التحكم بالممر. والمضايق ذات الأهمية الدولية لا تدار بمنطق الجماعات المسلحة، ولا تخضع لحسابات الصراع المحلي وحدها.
كما أن الحوثي بالغ في تقدير قيمة سيطرته على الساحل. وجوده قرب البحر يمنحه قدرة على التهديد والمناورة، لكنه في الوقت نفسه يجعل خطوط إمداده مكشوفة أمام أي عملية تستهدف نفوذه على الساحل الغربي.
الخطأ الأكبر كان في الاعتقاد أن أهمية باب المندب ستفرض على الآخرين التعامل مع الحوثي باعتباره قوة لا يمكن تجاوزها. العكس هو ما حدث. تهديد الملاحة وسّع دائرة الأطراف المعنية بالصراع، وجعل أمن البحر الأحمر جزءاً من الحسابات الإقليمية والدولية. غير أن المشكلة الجوهرية في هذه الإستراتيجية العبثية تكمن في أن الورقة نفسها مرشحة دائماً للانقلاب على حاملها؛ فالتاريخ لم يرحم يوماً من حاولوا ركوب أمواج السياسة بأشرعة ممزقة من الأوهام.
لذا، فإن عزل الحوثي عن الساحل الغربي لا يتعلق فقط بتأمين الملاحة. المسألة تتصل أيضاً بقدرته العسكرية والسياسية. فإبعاده عن البحر يقلل خياراته، ويضعف خطوط الإمداد، ويحد من قدرته على استخدام الساحل كورقة تفاوض.
وهنا يصبح باب المندب جزءاً من معادلة أوسع. فالسيطرة على الساحل تعني قدرة أكبر على الحركة والإمداد والضغط. وانتزاع هذه القدرة يعني دفع الحوثي إلى الاعتماد بصورة أكبر على مناطقه الداخلية، حيث تصبح خياراته أقل، واتصاله الخارجي أصعب.
وبالتالي، لا تنفصل معركة الساحل عن معركة صنعاء. كلما تراجع نفوذ الحوثي على البحر، زادت الضغوط على مواقعه في الداخل. وكلما تقلصت قدرته على تأمين الإمداد والمناورة، أصبحت السيطرة على صنعاء أكثر ارتباطاً بموازين القوة على الأرض.
التحول المهم هنا، أن الحوثي لم يعد يملك رفاهية التعامل مع باب المندب كورقة محلية. لقد أدخل الملاحة الدولية في الصراع، فدخلت معه حسابات أكبر من قدرته على التحكم بها.
هذه هي المشكلة التي صنعها بنفسه. أراد أن يحول الموقع الجغرافي إلى مصدر قوة دائم، لكنه جعله، في الوقت نفسه، نقطة يمكن أن يستهدف من خلالها نفوذه. وأراد استخدام البحر لرفع كلفة خصومه، فرفع كلفة بقائه هو في الساحل.
وعليه، فالجغرافيا لا تكفي لصناعة القوة. إنها بحاجة إلى قدرة سياسية وعسكرية على حمايتها. والحوثي واجه الآن معادلة مختلفة؛ تمسك بباب المندب كورقة ضغط، فازدادت الضغوط لسحب هذه الورقة منه.
لذا، فإن فخ باب المندب لا يكمن في خسارة موقع جغرافي فقط. الخطر بالنسبة إلى الحوثي أن يتحول هذا الموقع إلى بداية لعزله عن البحر، وقطع خطوط إمداده، وتقليص قدرته على المناورة، ثم نقل الضغط إلى الداخل.
من هنا يصبح الساحل الغربي أكثر من جبهة عسكرية. إنه اختبار لقدرة الحوثي على الاحتفاظ بأحد أهم مصادر قوته. وإذا خسر هذه المساحة، فلن يخسر منفذاً بحرياً فحسب، بل سيخسر جزءاً مهماً من أدوات الضغط التي بنى عليها نفوذه.
إن عزل الحوثي بحرياً، وقطع خطوط إمداده وقدرته على الابتزاز الإقليمي، يجرده تدريجياً من الرئة التي يتنفس منها سياسياً وعسكرياً. والعاصمة المختطفة خلف الجبال تسمع اليوم صدى التحولات، وترى في الأفق انكسار الهيمنة، وتدرك يقيناً أن حلم التحرير بات خطة عملياتية تنفذ على الأرض، لا مجرد شعار مكرر.
إن الجغرافيا، كما علمنا التاريخ، صلبة وقاسية. تمنح الفرص لمن يستحقها، لكنها لا تغفر أبداً للمغامرين الجهلة. وعندما تنقلب ورقة البحر على حاملها، تصبح قوافل الهزيمة حتمية، لا رجعة فيها. وفجر اليمن، الذي انطلق واثقاً من الساحل الغربي، لن يتوقف قبل صنعاء، بعد أن يدفع الحوثي الثمن كاملاً جرّاء اللعب بنار المضيق، ليكتشف متأخراً أن من يبتلع البحر حتماً سيغرق فيه.