ليتكم تعرفون ما في قلبي، وأقولها هذه المرة بمعناها الحرفي تماماً. قلبي هذا الذي صحبني كل هذه السنين، حمل ما حمل، وأحبّ من أحبّ، وانكسر حيث كان عليه أن ينكسر، وفرح أكثر مما أظهر، وحزن أكثر مما ينبغي، قرر أخيراً أن يعلن عن نفسه بطريقته الخاصة. زادت كهرباؤه. هكذا بكل بساطة طبية، وبكل التعقيد الذي تعرفه الروح حين يتعلق الأمر بالقلب.


وعمّا قليل سيذهب هذا القلب إلى شيء من الكيّ، لتهدأ بعض أسلاكه المشاغبة، وتنتظم تلك الكهرباء الزائدة التي يبدو أنه لم يجد مكاناً يصرفها فيه غير نفسه. وأنا أعرفه. قلبٌ غير متواضع منذ البداية. لم يعرف يوماً أن يحب قليلاً، ولا أن يقلق قليلاً، ولا أن يشتاق على قدر الحاجة. كان دائماً يبالغ في كل شيء، ثم يتركني أتحمل نتائج مبالغاته. أعطيته خمسين عاماً من الحياة، فأعادها إليّ خفقات ووجوهاً وذكريات وأماكن، وبعض الندوب التي لا تظهر في تخطيط القلب.


يا صاحبي القديم، أما تعبت؟ كم مرة طلبت منك أن تهدأ فمضيت في شأنك كأنك تعرف الحياة أكثر مني. كنت تركض إلى الذين أحبهم قبل أن أصل إليهم، وتغفر قبل أن أقرر الغفران، وتحنّ إلى أشياء أقنعت نفسي طويلاً أنني نسيتها.


وكنت، في المقابل، تحمل عني أشياء كثيرة.


أعرف ذلك الآن.


حملت الكلمات التي لم أقلها. الوداعات التي تظاهرت أمامها بالقوة. الذين رحلوا وبقيت أماكنهم داخلي فارغة. الفرح الذي مرّ سريعاً فخبأته أنت في مكان (ما)، والحزن الذي أخفيته عن الناس فأخذته وحدك.


ربما لهذا زادت كهرباؤك.


وأيّ (أسلاك) تحتمل كل هذا العمر؟ غريب أن يأتي يوم يجلس فيه الإنسان أمام قلبه كأنه يجلس أمام شخص يحبه ويخشى عليه. كنت أظنك أنا، فإذا بي أراك الآن رفيقاً مستقلاً عني، له تعبه ومزاجه واحتجاجه الصغير.


سيدخلون إليك ليطفئوا نقطة زائدة من الكهرباء.


أما الأشياء الأخرى فلا أريد لأحد أن يمسها.


اتركوا فيه الأماكن التي أحب منها. اتركوا أسماء الذين مروا به وتركوا أثراً طيباً. اتركوا نافذة الحنين مفتوحة، ولو أتعبته أحياناً. اتركوا له شيئاً من جنونه القديم، ومن قدرته العجيبة على أن يصدق الناس، وأن يفرح بهم، وأن يتألم منهم ثم يعود إليهم بقلب يكاد يكون جديداً.


(اكووا) ما شئتم من كهربائه، واتركوا لي وهجه، فأنا، رغم كل ما فعله بي هذا القلب، أحبه.


أحبه بمحبة غريبة لا أعرف كيف أشرحها. ربما لأنني حين أفتش في حياتي كلها لا أجد شاهداً عليها أوفى منه. كان حاضراً في كل شيء. في أول خوف، وأول حب، وفي يد صافحتها ولم أنس دفئها، وفي خبر انتظرته، وفي باب طرقتُه متردداً، وفي وجه أمي، وفي ضحكة صديق، وفي غياب عزيز، وفي تلك الليالي التي يعرفها القلب ولا تعرفها السيرة.


كل شيء مرّ من هنا.


ولهذا يؤلمني أن أعرف أنك ستُمسّ يا قلبي، ولو كان اللمس علاجاً.


يؤلمني لأننا حين نحب شيئاً نخاف عليه حتى من اليد التي تأتي لإنقاذه. أعرف أن الأمر عند الأطباء علم ودقة وأرقام وشاشة ترسم نبضك، لكنه عندي شيء آخر.


عندي حياة كاملة مستلقية هناك. فاذهب يا صاحبي غير المتواضع. اذهب إلى كيّك الصغير، ودعهم يصلحون شيئاً من (فوضويتك) الكهربائية.


وعُد إليّ كما كنت، أو أقل مشاغبة بقليل.


لا أريد منك بطولة، ولا أطلب منك أن تكون قوياً. يكفيني أن تعود إلى إيقاعك القديم، وأن تواصل عملك الهادئ في صدري، ذلك العمل الذي لم أشكرك عليه طوال خمسين عاماً لأنني كنت أظنه أمراً مفروغاً منه.


وسأعدك بشيء. حين تعود، سأصغي إليك أكثر. وسأحاول، ما استطعت، ألا أحمّلك ما لا تحتمل.


لكنني لا أعدك أن أحبّ أقل، فهذه، يا قلبي، مشكلتك القديمة معي. (!)