علمت «عكاظ» عن متابعة ورصد كافة الممارسات التي تتعلق بنشر بعض المحامين وقائع التحقيقات وتفاصيل الدعاوى والمحاكمات عبر وسائل الإعلام والمنصات الرقمية، في ضوء الضوابط النظامية والمهنية المنظمة للنشر والظهور الإعلامي. وبحسب مصادر أوضحت لـ«عكاظ» أن المادة التاسعة من نظام المطبوعات والنشر تحظر نشر وقائع التحقيقات أو المحاكمات بأي وسيلة دون الحصول على إذن من الجهة المخولة نظاماً، فيما تنظم القاعدتان السابعة والثلاثون والثامنة والثلاثون من قواعد السلوك المهني للمحامين مشاركة المحامي في وسائل الإعلام والنشر الإلكتروني والإعلان المباشر وغير المباشر. وتلزم القواعد المحامي بحماية خصوصية العملاء وسرية بياناتهم، ومراعاة مقتضيات التحقيق والمحاكمة، وتجنب التضليل والخداع، كما تضبط الإعلان بما يحفظ أصول المهنة والثقة بالمرفق العدلي.
خصوصية أطراف الدعوى
وبحسب مصادر «عكاظ»، تشمل الممارسات محل المتابعة المستمرة، نشر تفاصيل أو وثائق مرتبطة بقضايا منظورة، بما في ذلك نشر أي حكم قضائي أو أي جزء منه، في مختلف درجات التقاضي، سواء اكتسب الحكم الصفة النهائية أم لم يكتسبها، متى كان النشر دون إذن الجهة المختصة. وشددت المصادر، على أن الحالات المخالفة ستخضع للإجراءات المقررة وفق الأنظمة والقواعد ذات الصلة، إذ تهدف هذه الضوابط إلى حماية حقوق أطراف الدعوى وخصوصيتهم، والمحافظة على سلامة إجراءات التحقيق والنظر القضائي، وتعزيز المسؤولية المهنية للمحامي عند تناول القضايا في المجال العام. وأرجعت مصادر تحدثت لـ«عكاظ» أسباب هذه الخطوة إلى ما تم رصده في مواقع ومنصات التواصل الاجتماعي من مخالفات جسيمة وظهور غير مقنن لبعض المحامين في منصات التواصل الاجتماعي ونشرهم أحكاماً قضائية لم تكتسب الصفة القطعية أو نشر وتفسير لوائح وأنظمة بخلاف صحتها فضلاً عن تجاوزات مهنية متكررة جرى حصرها وتنبيه المتجاوزين لحدود الأنظمة. وبحسب قانونيين، فإن الحاجة تقتضي ضبطاً مهنياً متوازناً يحفظ هيبة المهنة وحقوق المحامي في آن، بحيث لا تتحول المنصات الرقمية إلى ساحة تجاوزات قد تمس شرف مهنة المحاماة فضلا عن سلامة إجراءات التحقيق والنظر القضائي، وتعزيز المسؤولية المهنية للمحامي.
سحب تراخيص محامين
ورصدت «عكاظ» تحركات في هذا الاتجاه، على مدى سنوات مضت من بينها سحب رخص محامين خالفوا آداب الظهور الإعلامي والتحقيق مع آخرين في مخالفات مهنية. ومن بين الوقائع إيقاف محامٍ عن المهنة لمدة ستة أشهر بعد ثبوت مخالفته نظام المحاماة. وسجلت الوقائع أيضاً شطب محامٍ ثبت استخدامه وكالة لشخص متوفى واستلام مبالغ بالإنابة عن ورثة وعدم تسليمها، إضافة إلى قضية انتهت بإلزامه بسداد مليون ريال لمواطنة مقابل أعمال لم ينجزها. وبين الوقائع أيضاً إحالة محامٍ من لجنة تأديب المحامين على خلفية سلوك عُد مخالفًا لأخلاقيات المهنة، فضلا عن سحب رخص محامين ممن خالفوا آداب الظهور الإعلامي من الجهة المختصة بوزارة العدل والتحقيق مع آخرين في مخالفات مهنية مماثلة. وبحسب ذات المصادر، فإن وزارة العدل ماضية في التعامل بحزم مع أي تجاوزات تخل بآداب وأخلاقيات مهنة المحاماة، وستوقع عقوبات وفق الأنظمة ذات العلاقة بحق كل من يثبت تجاوزه، عبر المنصات الرقمية، بما يحفظ هيبة المهنة ويصون حقوق المتقاضين. يذكر أن وزارة العدل كانت قد أصدرت تعميما على كافة الجهات التابعة للوزارة تضمن الموافقة على قواعد الضبط، ورفع الدعوى التأديبية التي تستهدف مهنة المحاماة، وتهدف القواعد لضبط المخالفات المهنية للمحامين، والتحقيق في المخالفات المهنية، وتشكيل لجنة للتأديب ونظر الدعوى التأديبية.
شركاء العدالة
رحب عدد من المحامين والقانونيين بهذه الخطوة، مؤكدين على أهمية وقار مهنة المحاماة كونها جزءاً من السلطة القضائية. وعلّق المحامي فراس طرابلسي على التوجه نحو تعزيز متابعة الضوابط المنظمة للظهور الإعلامي للمحامين، قائلاً: «أرى أن هذه التنظيمات تعكس تطوراً مهماً في متابعة الممارسة المهنية، ويُحسب لوزارة العدل حرصها المستمر على رصد ما تفرزه الممارسة من تحديات والتعامل معها بما يحفظ شرف مهنة المحاماة ومكانتها، ويحمي في الوقت ذاته حقوق الموكلين والمتقاضين وهيبة المرفق العدلي، فتنظيم المهنة لا يكتمل بوضع القواعد وحدها، بل بمتابعة أثرها في الواقع ومواكبة ما يستجد في وسائل الممارسة والتواصل». وأضاف طرابلسي: «الظهور الإعلامي للمحامي في أصله أمر إيجابي، بل يؤدي دوراً مهماً في نشر الثقافة القانونية ورفع الوعي بالحقوق والواجبات، لكن المحامي ليس معلقاً يبحث عن السبق، ولا ينبغي أن تتحول قضية موكله إلى مادة لصناعة الحضور أو المشاهدات، فالمحامي شريك في تحقيق العدالة، وما يعرفه بحكم مهنته قد يكون سراً لموكله، أو متعلقاً بتحقيق أو محاكمة لم تكتمل، أو بحقوق أطراف آخرين لا يجوز أن تصبح تفاصيلهم مادة للتداول العام».
سرية البيانات
وأوضح طرابلسي أن الأطر النظامية والمهنية القائمة أرست بالفعل هذه الحدود؛ فنظام المطبوعات والنشر يحظر نشر وقائع التحقيقات أو المحاكمات دون الحصول على إذن من الجهة المخولة نظاماً، كما تؤكد قواعد السلوك المهني للمحامين حماية خصوصية العملاء وسرية بياناتهم، ومراعاة مقتضيات التحقيق والمحاكمة، وتجنب التضليل، وضبط التعامل مع وسائل الإعلام بما يصون نزاهة القضاء وشرف المهنة. وأكد طرابلسي أن «تعزيز الرصد والمتابعة وتفعيل هذه الضوابط لا ينبغي أن يُقرأ باعتباره تقييداً للمحامي، بل حمايةً له ولموكله ولحقوق أطراف الدعوى وللمهنة ذاتها، فالحرية المهنية لا تنفصل عن المسؤولية المهنية، وكلما اتسع حضور المحامي أمام الجمهور ازدادت مسؤوليته عن الكلمة والمعلومة والصورة التي يقدمها عن العدالة». واختتم قائلاً: «المحامي لا يحتاج إلى قضايا الناس ليصنع شهرته؛ علمه وأمانته وأداؤه هي التي تصنع اسمه، وحماية هذا الفارق هي في حقيقتها حماية لشرف المحاماة».
ضوابط مهنية وأخلاقية
وأكد المحامي ماجد قاروب على أهمية وقار المهنة على اعتبار أنها جزء من السلطة القضائية. وقال: «إن تسويق وتعريف المحامين ومكاتبهم وخدماتهم يجب أن تكون بما يتفق مع نظام المحاماة ولائحة سلوكيات المحامين». وشدد على أهمية تقنين ظهور المحامين في الإعلام ممن يتحدثون عن أسرار المتقاضين ونشر وقائع المحاكمات والتحقيقات، فضلاً عن تفسير البعض من المبتدئين لنصوص الأنظمة بشكل غير صحيح. وأوضح قاروب أن هذه الخطوة الطيبة في رصد ومنع التجاوزات سوف تدعم مهنة المحاماة لتكون في إطار واضح من العمل وفق ضوابط مهنية وأخلاقية تدعم العمل المؤسسي لمكاتب المحاماة الملتزمة بالتوظيف والتدريب الحقيقي وليس الشكلي والوهمي. ودعا قاروب إلى أخذ التعهدات على أصحاب المكاتب وجميع العاملين من سعوديين وأجانب بعدم التحايل والتلاعب في التوظيف والتزاماته من رواتب حقيقية وسداد التأمينات الاجتماعية والتأمين الطبي بما يخل بالمنافسة الشريفة وأخلاقيات العمل وحقيقة التدرج والتدريب والقضاء على ما يسمى العمل الحر لأصحاب الرخص وحتى ممن لديهم رخص متدربين. وطالب بأن تكون هناك توعية وتثقيف للمجتمع وقطاع الأعمال والإدارة عن كيفية اختيار مكاتب المحامين على أساس الخبرات والسمعة وفريق العمل والتخصص إلى غيرها من عناصر المهنة التي لا تعتمد على عناصر غير حميدة، مثمناً صدور قرار سابق يمنع استخدام عبارة قاضي سابق ومن في حكمه أو نحوه من النيابة واللجان القضائية وغيرها في التعريف بنفسه مجتمعياً.
سير العدالة
وقالت المحامية منال الحارثي: «إن الأنظمة ذات العلاقة حظرت نشر وقائع التحقيقات والأحكام وهو إجراء قانوني وتنظيمي يهدف إلى حماية سير العدالة، ومنع التأثير على مجريات القضايا، أو الإساءة للأطراف، وخصوصية الأفراد».
وأضاف المحامي نبيل ملحان: «إن البعض قد يتهاون في نشر الوثائق والمعلومات السرية في منصات التواصل الاجتماعي». وأوضح أنه في حال تعلق الأمر بوثائق أو معلومات رسمية سرية تمس الأمن الوطني، يسري عليها نظام عقوبات نشر الوثائق والمعلومات السرية وإفشائها وتصل العقوبات فيه إلى السجن حتى 20 سنة أو غرامة تصل إلى مليون ريال.
وقالت المحامية نسرين على الغامدي: «إن القاعدة العامة المعمول بها نظاماً تقضي بحظر نشر وقائع التحقيقات القضائية أو الأحكام (أو صكوكها) التي لم تُنشر رسمياً، أو في حال كانت التحقيقات لا تزال قائمة، لما يمثله ذلك من تأثير على مجريات العدالة أو الرأي العام. ونبهت على ضرورة عدم الخوض في القضايا في منصات التواصل الاجتماعي أو نشر الأحكام كون في ذلك مخالفة نظامية تستوجب المساءلة. وذكرت أن وزارة العدل تعمل على صون وحفظ هيبة المهنة وحقوق المحامي في آن، بحيث لا تتحول المنصات الرقمية إلى ساحة تجاوزات.
وقالت المحامية بشائر العظمة: «يحظر نظاماً نشر وقائع التحقيقات أو تفاصيلها أثناء سيرها لحماية مجريات العدالة، وسنت الأنظمة عقوبات وغرامات حيال مخالفات النشر أو عند إفشاء المعلومات ونشر الوثائق». وشددت على أن وزارة العدل خطت خطوات حثيثة ومهمة نحو حماية نزاهة مهنة المحاماة ومنع التجاوزات.