في بلدة أوليشكي الصغيرة الواقعة على الضفة اليسرى لنهر دنيبر في أوكرانيا، يبدو الزمن كأنه توقف عند محطة الموت البطيء. فبعد أن كان يقطنها نحو 24 ألف نسمة قبل اندلاع الحرب، لم يتبقَ فيها اليوم سوى 2000 شخص يعيشون وسط ركام المنازل المدمرة، وتحت وطأة حصار خانق يفرضه الاحتلال الروسي، محاطين بالألغام والمسيّرات التي تطارد خطواتهم.
ووفق تقارير إعلامية محلية، تحولت الحياة اليومية في أوليشكي إلى صراع مرير من أجل البقاء. فمنذ تفجير محطة كاخوفكا الكهرومائية في يونيو 2023 وما تلاه من فيضانات أغرقت 90% من البلدة، انقطعت مقومات الحياة الأساسية من كهرباء وغاز ومياه جارية.
- شبح الجوع: تؤكد شهادات السكان أن آخر شحنة غذائية رسمية دخلت البلدة تعود إلى مايو 2023. ومع إغلاق المتاجر، يعتمد من تبقى في البلدة على ما تزرعه أيديهم في الحدائق، بينما وصل الأمر بالبعض (وفقاً لشهادات الأقارب) إلى الاضطرار في بعض المواسم إلى تناول أوراق الشجر أو العشب للبقاء على قيد الحياة.
- انهيار الرعاية الصحية: المستشفى المحلي يكاد يكون متوقفاً تماماً، فهو مكتظ بالمصابين والجنود الروس مع غياب تام للكوادر والأدوية. حتى أبسط المسكنات مثل الباراسيتامول باتت «كنزاً مفقوداً»، وتوفيت أعداد كبيرة من المرضى وكبار السن في منازلهم دون القدرة على طلب الإسعاف.
لم يعد الخروج من المنازل في أوليشكي أمراً عادياً، بل مغامرة محفوفة بالموت المحقق. فالطرقات الرئيسية والفرعية ملغومة بالكامل، وتحلق الطائرات المسيرة الروسية بشكل مستمر فوق الأنقاض والشوارع لترصد أي حركة للمدنيين وتستهدفهم، بحسب وسائل الإعلام المحلية.
ويروي شهود عيان، تمكنوا من الفرار بصعوبة بالغة، أن الجثث تظل أحياناً ملقاة في الشوارع لفترات طويلة لعدم وجود مشرحة عاملة أو قدرة على دفنها بسبب استهداف المقابر والألغام المحيطة بها، بينما يضطر الأهالي لدفن موتاهم سراً وبشكل سطحي في باحات المنازل.
وإلى جانب الجوع والخطر الميداني، يعاني السكان من إرهاب أمني مستمر:
- التفتيش والمراقبة: تُفرض على الأهالي إجراءات صارمة، تشمل إجبارهم على استخدام شرائح الاتصال والهواتف الروسية، وتفتيش الأجهزة بشكل دوري للبحث عن أي محادثات أو تطبيقات أوكرانية تعرض أصحابها للاعتقال الفوري.
- استحالة المغادرة: بات الهروب من جحيم أوليشكي رحلة شبه مستحيلة ومكلفة للغاية، تتطلب المرور عبر طرق وعرة ومخاطر الألغام وعمليات فرز أمني قاسية عبر القرم وروسيا وبيلاروسيا، مما يجعل الكثيرين (وخاصة كبار السن) محاصرين إلى الأبد.
تظل صرخات أهالي أوليشكي والقرى المجاورة مثل هولا بريستان ورادينسك حبيسة الرسائل القصيرة المتقطعة عبر تطبيقات التراسل، في انتظار أمل بعيد لنهاية كابوس يبتلع ما تبقى من حياتهم اليومية.