لم تبدأ الحكاية داخل قاعة محكمة، ولم يكن الصحفيون في البداية هم أبطالها. بدأت القصة ببساطة من طائرة بوينغ 747-8 قدمتها قطر للولايات المتحدة لتكون طائرة رئاسية مؤقتة، قبل أن تتحول خلال أسابيع قليلة من هدية مثيرة للانتباه إلى محور أزمة أمنية، وتحقيق جنائي استهدف صحافيي «نيويورك تايمز»، وانتهى بصدام حاد أمام قاضٍ فيدرالي.
بدأت الفصول الفعلية للقضية في يوليو، خلال رحلة للرئيس دونالد ترمب إلى تركيا. فقد لوحظ أن الرئيس لم يستعمل الطائرة القطرية الجديدة في رحلة عودته كما كان متوقعاً. ونشرت «نيويورك تايمز» في 8 يوليو تقارير، استناداً إلى مصادر مسؤولة، تؤكد وجود مخاوف أمنية تتعلق بغياب بعض أنظمة الحماية المتطورة ومواجهة الصواريخ عن الطائرة، في توقيت شديد الحساسية تزايدت فيه التوترات العسكرية بالمنطقة.
هذا التقرير الصحفي أشعل فتيل الأزمة، إذ تحول تركيز السلطات سريعاً من أمن الطائرة إلى سؤال مركزي: كيف وصلت هذه المعلومات الحساسة إلى الإعلام؟
وفي 10 يوليو، أصدر مكتب المدعي العام الأمريكي في مانهاتن أوامر استدعاء لعدد من صحافيي «نيويورك تايمز» للمثول أمام هيئة محلفين كبرى. ولم تتوقف الإجراءات عند هذا الحد، بل سعت وزارة العدل إلى الحصول على سجلات اتصالات هاتفية طالت صحفيين وأفراداً من عائلاتهم، وُغطت فترات زمنية امتدت لأشهر قبل نشر التقارير.
دافعت الحكومة عن تحركاتها بالقول إن الصحفيين يُعاملون كـ«شهود» لا كأهداف، وإن الهدف الأساسي هو مكافحة تسريب معلومات مصنفة، بينما رفضت الصحيفة الامتثال معتبرة أن هذه الإجراءات تنتهك الحماية الدستورية لسرية المصادر الصحفية وتوسع نطاق التحقيق بصورة غير مبررة.
ومع حلول 23 يوليو، عقد القاضي الفيدرالي أرون سوبرامانيان جلسة حاسمة وجه خلالها أسئلة دقيقة وحادة لممثلي وزارة العدل بشأن مدى التزامهم بالإجراءات الاستثنائية الخاصة بالتحقيقات التي تشمل وسائل الإعلام.
وتحت ضغط المحكمة، أعلنت الحكومة تراجعها عن الأوامر، ليصدر القاضي أمراً قضائياً يوصف تلك الإجراءات بأنها «باطلة ولاغية» (Null and Void)، مشترطاً أن تعود الحكومة إلى المحكمة مسبقاً حال رغبتها في إصدار أوامر جديدة.
لكن وعلى الرغم من إسقاط أوامر الاستدعاء الفردية، لم يُغلق التحقيق الجنائي في التسريب. وفي سبتمبر، عاد الملف للواجهة خلال جلسة رقابية لمجلس الشيوخ مع مدير مكتب التحقيقات الفيدرالي (FBI) كاش باتيل، الذي أكد أن التحقيقات في تسريب المعلومات الحساسة لا تزال مستمرة، مما يحافظ على اشتعال النقاش الدستوري حول المعادلة الصعبة: فإلى أي مدى يمكن الذهاب لملاحقة مصادر الصحافة تحت غطاء الأمن القومي؟