في اليوم الوطني تتغير ملامح المدن وتكتسي الشوارع بألوان الفرح وترتفع الأعلام من النوافذ والبيوت وتصدح الأغاني التي نعرفها ونحبها ونستعيد معها حكاية وطن كبرنا فيه وكبر فينا. لكن بعد أن تهدأ الاحتفالات وتعود الشوارع إلى إيقاعها المعتاد، يبقى السؤال الأهم: كيف يستمر حب الوطن معنا في بقية الأيام؟
الوطنية ليست مناسبة عابرة ولا مشهداً يرتبط بيوم واحد، بل علاقة يومية تظهر في الطريقة التي نتعامل بها مع المكان والناس والعمل والمسؤولية. تظهر في احترام النظام والمحافظة على الممتلكات العامة وفي جودة ما نقدمه وفي الصورة التي نعكسها عن وطننا أينما كنا.
وكلما ارتفع مستوى الوعي، أصبح التعبير عن حب الوطن أكثر نضجاً. فلا يكفي أن نقول إننا نحب وطننا، بل ينبغي أن يظهر ذلك في تفاصيل حياتنا وسلوكنا وفي تعاملنا مع الشارع والمدرسة والحديقة ومكان العمل وكل مساحة نتشاركها مع الآخرين.
وتبدأ المسؤولية الوطنية من الإنسان نفسه حين يؤدي عمله كما ينبغي ويحترم الوقت والنظام ويحافظ على المكان ويشعر أن نجاحه الشخصي جزء من نجاح مجتمع كامل. وقد تبدو هذه التفاصيل صغيرة، لكنها حين تتحول إلى ثقافة عامة تصنع فارقاً كبيراً.
والوطن لا يحتاج منا أن نكون جميعاً في مواقع كبرى حتى نخدمه. المعلم في فصله والطبيب في عيادته والموظف في مكتبه والطالب في مدرسته والعامل في موقعه، كل واحد منهم يستطيع أن يضيف شيئاً لهذا الوطن حين يؤدي دوره بمسؤولية ووعي.
والوطنية اليوم تمتد أيضاً إلى المبادرة والإبداع والابتكار وصناعة الفرص والمحافظة على البيئة واحترام الذوق العام والتعامل الحضاري مع الآخرين. إنها أن نسأل أنفسنا بين حين وآخر: ماذا أضفنا للمكان الذي نعيش فيه؟ وما الأثر الذي سنتركه لمن يأتي بعدنا؟
فلترتفع الأعلام وتصدح الأغاني وتمتلئ الشوارع والبيوت بالفرح، فهذا يوم يستحق أن نحتفي به ونفرح ونستعيد معه حكاية وطن وإنجازاته وطموحاته. لكن الأجمل أن يبقى شيء من هذا الشعور معنا بعد انتهاء الاحتفال. أن يصبح حب الوطن عادة في السلوك وجودة في العمل واحتراماً للمكان وشعوراً بالمسؤولية تجاه الآخرين. فالاحتفال بالوطن يوم جميل، أما الوطنية فهي ما نفعله في كل يوم.