لم يكن توحيد المملكة خطّاً سياسيّاً على الخريطة فحسب؛ بل وعداً بأن تصبح المسافة جسراً لا حاجزاً. فالطريق ترجمة للوحدة. ومن شبكة أولية لا تتجاوز بضعة كيلومترات إلى شبكة تتجاوز 73 ألف كيلومتر، لتروي الطرق قصة دولة جعلت الاتصال مشروعاً وطنيّاً دائماً.

في عهد المؤسس الملك عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل سعود - طيب الله ثراه - كان وصل المناطق شرطاً لدولة أُعيد توحيدها. وأنشئت وزارة المواصلات عام 1372هـ/1953م؛ للإشراف على الطرق والسكك الحديدية والموانئ. ثم جاء تنظيم عام 1395هـ/1975م ليسند إليها تخطيط الطرق والجسور وتصميمها وإنشاءها وصيانتها. هكذا انتقلت المملكة من شق المسار إلى بناء شبكة وطنية متكاملة.

وفي العهد الزاهر لخادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز آل سعود، وبدعم وتوجيه ولي العهد رئيس مجلس الوزراء الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز، انتقلت قصة الطريق إلى مرحلة أكثر تركيباً: حوكمة وقياس وتجربة مستخدم واستدامة. وقد أصبح برنامج قطاع الطرق، المنبثق من الاستراتيجية الوطنية للنقل والخدمات اللوجستية، برنامجاً ذا مبادرات تدور حول الجودة والسلامة والكثافة المرورية والحوكمة والاستدامة والقدرات. وهي لا تَعِد بطريق أجمل فحسب، بل بمنظومة تعرف ماذا تملك، وما الذي يحتاج إلى صيانة، ومتى تتدخل، وكيف تنفق بكفاءة.

والفارق الجوهري اليوم أن الطريق لم يُعَدْ يُفحَص بالعين وحدها، ولا تُبرمج صيانته بعد أن تصبح المشكلة مرئية للجميع. فهيئة الطرق تملك اليوم أسطول مسح وتقييم مدعوماً بالذكاء الاصطناعي، وُصِف بأنه الأكبر على مستوى العالم. ويضم أكثر من 18 مُعدّة متقدمة، تمسح أضرار السطح، وتقيس مقاومة الانزلاق والخشونة والسماكة وانحراف طبقات الطريق، فيما تصل الطائرات بدون طيار إلى العبّارات والمواقع صعبة الوصول وتنفذ مسحاً حراريّاً. وبذلك تتحول الصيانة من رد فعل متأخر إلى قرار استباقي أدق وأسرع.

الأرقام المتاحة تضيء جانباً من هذه النقلة، بشرط أن تُقرأ في سياقها الصحيح. فقد بلغ مؤشر جودة البنية التحتية للطرق 5.7 في بيانات المنتدى الاقتصادي العالمي عن عام 2024، ما وضع المملكة في المركز الرابع عالميّاً بين دول مجموعة العشرين؛ كما تؤكد الجهات الرسمية تصدّر المملكة لمؤشر ترابط الطرق. وفي السلامة، انخفض معدل الوفيات الناتجة عن حوادث الطرق بنسبة 60% في عام 2025 مقارنة بعام 2016، وفق تقرير اللجنة الوزارية للسلامة المرورية، كما أصبحت 81% من الطرق متوافقة مع أعلى معايير السلامة، بما يعزز مستويات الأمان المروري على طرق المملكة.

وهنا يتسع معنى الطريق من البنية إلى التنمية. فهو يربط الحاج والمعتمر بتجربة وصول أكثر أمناً، والسائح بوجهة أقرب، والمصنع والمستودع بالميناء والمطار، ومنطقة التعدين بسلاسل الإمداد والأسواق. وتعمل الاستراتيجية الوطنية للنقل والخدمات اللوجستية على تحسين اتصال شبكات التجارة والنقل محليّاً وإقليميّاً ودوليّاً، وتطوير المراكز اللوجستية وتمكين الصناعات المحلية، في صورة تؤكد أن كفاءة الاقتصاد الحديث لا تتوقف عند بوابة الميناء أو مدرج المطار، بل تبدأ أيضاً من الطريق الذي يصل إليهما.

وتظهر هذه الوظيفة بوضوح في البعد الخليجي، من خلال دور طريق الظهران–العقير–سلوى في دعم الربط مع قطر والإمارات وخدمة المدن الصناعية والمنافذ الحدودية، بجانب دور طريق السعودية–عُمان في تسهيل حركة الشاحنات عبر الربع الخالي. تلك أمثلة محددة على أن الطريق لم يعد مجرد خط داخلي؛ بل أصبح جزءاً من موقع المملكة بين القارات، ومن قدرتها على تحويل الجغرافيا إلى ميزة لوجستية واقتصادية.

في اليوم الوطني، نحتفي بطريق بدأ بخطوات التأسيس، واتسع بعقود التنمية، ويستمد اليوم ذكاءه من البيانات قبل أن يرسم قراره على الأرض. وبين ذاكرة الحجر والجير وطموح 2030، تمضي المملكة بثقة: كل طريقٍ يُعبَّد صلةٌ أقوى بين إنسانها وفرصتها، وكل مسارٍ آمن شاهدٌ جديد على وطنٍ لا يكتفي بأن يبلغ المستقبل، بل يمهّد له الطريق.