في تمام الساعة الثانية من ظهر أمس (الجمعة)، توقف كل شيء فجأة. انقطعت النغمة الرتيبة لأجهزة التكييف، وتوقفت المروحة السقفية عن الدوران، وغرق الصوت القادم من شاشات التلفزيون في صمت خاطف. لم تكن هذه مجرد انقطاع مجدول في أحد الأحياء، بل كانت اللحظة التي انفرط فيها عقد شبكة الكهرباء بأكملها من شرقي البلاد إلى غربها.

في شوارع العاصمة الكوبية هافانا، تتكرر التفاصيل الصغيرة ذاتها، لكنها هذه المرة جرت تحت سماء ملبدة بالغيوم ومطيرة. يتكئ الشاب فرانك لورينزو، البالغ من العمر 23 عاماً، على نافذة منزله بحثاً عن نسمة هواء باردة تتسلل عبر الرطوبة العالية. ويروي تفاصيل يومه المفروض عليه بقسوة: «حصلنا على ساعة واحدة فقط من التيار، ثم انطفأ كل شيء مجدداً.. نستعد الآن لليلة طويلة مع الحر الشديد والبعوض».

لا يتعلق الأمر هناك بمجرد عطل طارئ في خط نقل عالي الجهد بوسط البلاد، فالقصة أعمق من سلك كهربائي انقطع في لحظة ظهيرة. إنه نتاج سنوات طويلة من تهالك البنية التحتية ونقص الوقود الصارم في الجزيرة الكاريبية، بعدما استحال تشغيل المحطات القديمة التي أنهكها الزمن. ومنذ مطلع العام، عاش سكان كوبا ستة انهيارات كاملة للشبكة، وحين تعود الأنوار، فإنها تأتي كمكافأة مؤقتة قبل أن يغرق الناس في عتمة تستمر لأكثر من ثلاثين ساعة متواصلة.

تتجاوز تفاصيل المشهد جدران المنازل المظلمة، فالأطعمة تتلف في الثلاجات المتوقفة، والأطفال يحاولون فك رموز واجباتهم المدرسية في ضوء الهواتف الذكية أو الشموع الذائبة، بينما تكافح المستشفيات لاستثناء أجنحتها الحرجة عبر المولدات الاحتياطية.

وخلف هذه العتمة، تقف معركة سياسية محتدمة عبر المحيط. تتهم الحكومة الكوبية الإجراءات الأمريكية والحظر النفطي الخانق بالسبب المباشر في شلل قطاع الطاقة، مشيرة إلى أن خسائر الحظر التجاري تجاوزت ثمانية مليارات دولار، وهو ما ينفيه الجانب الأمريكي الذي يرى في هذه التدابير وسيلة ضغط ضرورية لدفع السلطات نحو تغيير سياساتها. وبين القراءتين الصارمتين، حذر خبراء من الأمم المتحدة من كلفة إنسانية متزايدة تدفع ثمنها العائلات يومياً.

وبحلول المساء، أضاءت أنوار شاحبة بعض الأحياء المحيطة بالمستشفيات الرئيسية بالمدينة بعد بدء تشغيل بروتوكولات الطوارئ، بينما بقيت الغالبية العظمى من الدولة تلتحف بالظلام والمطر، منتظرة خيطاً جديداً من الضوء قد يأتي صباحاً.. أو يبتعد لليلة أخرى.