تاريخيّا، ثمّة علاقة ملتبسة بين إيران وبين الدول العربية، لكن للعراق خصوصية يختلف بها عن باقي الدول. فالعراق بوابة إيران إلى الدول العربية، وفي العراق أيضاً، صراع تاريخيّ على الجغرافيا والموارد العراقية ومن خلالها، إلى الدول العربية منذ زمن الدولتين العثمانية والفارسية وصولاً إلى عصر الشاه.
البداية من الصراع على شطّ العرب، وهو ممرّ التقاء لنهريّ الدجلة والفرات يمتدّ إلى الخليج، ويقع ضمن واحدة من أغنى المناطق النفطية. ورغم توقيع البلدين على معاهدة عام ١٩٣٧ كرّست عمليّا السيطرة العراقية على معظم الممرّ الملاحي، أعلنت إيران إلغاء المعاهدة في العام ١٩٦٩ ليعود الصراع مجدداً على الملاحة والسيادة في المنطقة.
وعندما انسحبت القوات البريطانية من منطقة الخليج العربي عام ١٩٧١، أراد شاه إيران أن «يرث» المنطقة من البريطانيين، والهدف السيطرة على موارد المنطقة العربية وفرض ما يشبه الوصاية الإيرانية على المنطقة تحت عنوان «حماية الخليج» كبديل عن بريطانيا. احتلت إيران جزر أبو موسى وطنب الصغرى والكبرى قرب مضيق هرمز. ومن بوابة العراق، استغلت إيران ورقة الأكراد الذين يطالبون منذ ذلك الحين بالحكم الذاتي، كوسيلة للضغط على صدام حسين للقبول بإعادة ترسيم الحدود بما يناسب الشروط الإيرانية.
وبعد سقوط دولة الشاه وقيام دولة ولاية الفقيه بعد الثورة الإسلامية الإيرانية، حاولت القيادة الإيرانية الجديدة استمالة الدول العربية بادعاء تخليها عن أهداف الشاه التوسعية، لكنها في الوقت نفسه، كانت تعمل على ضرب أمن الدول العربية من خلال مبدأ تصدير الثورة كوسيلة للسيطرة، فقامت بتحريك ودعم الجماعات العرقية والإثنية والمجموعات المسلّحة أيضا من بوابة العراق، ليعود الصراع الإيراني-العراقي حول الحدود والنفوذ. هذه المرة، لم تستخدم إيران فقط ورقة الأكراد، بل قامت كذلك بتحريض العراقيين الشيعة على الانقلاب على الدولة آنذاك، ليردّ العراق بدوره بمحاولة استمالة الإيرانيين العرب للضغط على إيران لاسترجاع حدوده وأمنه، فاستمرّ الصراع بين البلدين إلى حين اندلاع الحرب العراقية- الإيرانية.
خلال كل تلك المراحل، من الشاه إلى دولة ولاية الفقيه، لم تكن إيران تعتبر العراق خصماً سياسيّاً لها فحسب، بل مصدر التهديد الأول لها في المنطقة العربية لما كان يتمتّع به من قوة عسكرية قادرة على وضع حدّ لطموحها في فرض نفوذها على المنطقة وفي «وراثة» النفوذ البريطاني. وكانت في المقابل، تراهن على ما تعتبره قوّة لها في المساحة الجغرافية وعدد السكان. وبسبب فشله في تحقيق الحسم العسكري، اعتمد النظام الإيراني على حرب الاستنزاف مع السعي للحفاظ على حريّة تصدير النفط كأداة أساسية في الحرب، ظنّاً منه أنه سينجح بذلك في إسقاط نظام صدام حسين وفتح الطريق على المتشددين العراقيين للسيطرة على الحكومة وبالتالي إحكام القبضة الإيرانية على الدولة والموارد والجغرافيا. لكن حساباته كانت خاطئة، فاستنزف هو أيضاً في مستنقع الحرب ورضخ في النهاية لاتفاق.
في العام ٢٠٠٣، سقط العراق بعد اجتياح أمريكيّ، وثأر النظام الإيراني من العراق، فاستطاع تحويله إلى ساحة نفوذ عسكريّة وسياسيّة وأمنيّة واقتصاديّة لعقود. ومنذ بداية الحرب الحالية الأمريكية-الإيرانية، يمعن النظام الإيراني في ثأره مجددا من العراق من خلال محاربة قرار الدولة العراقية في استعادة سيادتها، كما يعتدي على الدول العربية بلعبة الاستنزاف نفسها، مدّعيا أنه يريد «إخراج الأمريكيين من المنطقة». فعليّا، يريد الإيرانيون «وراثة» المنطقة من الأمريكيين بالاعتداء عليها وتهديد الملاحة فيها واحتلال ممرّاتها. مجدداً، إنها لعنة الثأر، والتاريخ.