الحمد لله الذي ميّز وطني المملكة العربية السعودية بمزايا عظيمة، على المستويات الإنسانية والدينية والحضارية والثقافية والاقتصادية، والحمد لله الذي وهب وطننا قيادة رشيدة وسياسة حكيمة، جعلت منه وطناً قوياً حاضراً ومؤثراً، والحمد لله أنني «سعودية».

قبل أيام قليلة، اعترضت قوات الدفاع الجوي الملكي السعودي ودمّرت طائرة مسيّرة أطلقتها مليشيا الحوثي باتجاه مدينة مكة المكرمة، قبل دخولها المجال الجوي المحظور للعاصمة المقدسة، تخيلوا معي هذا المشهد: طائرة مسيّرة تأتي من جماعة ترفع شعارات الإسلام، وتتجه نحو قبلة المسلمين! هنا تتجاوز المسألة حدود الصراع العسكري؛ لأن الهدف هذه المرة يقترب من شيء أعمق في وجدان الإنسان المسلم «مكة المكرمة»، والبيت الحرام، والكعبة التي تتجه إليها قلوب المسلمين ووجوههم كل يوم، مكة ليست مدينة عادية، وليست مساحة جغرافية تحددها خطوط الخريطة. مكة معنى يسكن القلب، ومكانة تتجاوز حدود المكان والزمان.

وقبل ذلك في أكتوبر 2016، أطلقت مليشيا الحوثي صاروخاً باليستياً باتجاه منطقة مكة المكرمة، واعترضته قوات الدفاع الجوي السعودي ودمرته، واليوم، في سبتمبر 2026، تتكرر المحاولة بطائرة مسيّرة باتجاه مكة المكرمة، وتتصدى لها الدفاعات السعودية قبل دخولها المجال الجوي المحظور للعاصمة المقدسة، ووصفت وزارة الخارجية السعودية هذه المحاولة بأنها تكرار لممارسات الحوثيين في استهداف المشاعر المقدسة واستفزاز لمشاعر المسلمين في شتى بقاع العالم.

وهنا يبرز السؤال الأعمق: كيف تمتد يد الصراع إلى المكان الذي تتجه إليه قلوب المسلمين كل يوم؟ مكة في وجدان المسلم أكبر من مدينة يزورها حين يستطيع ثم يعود إلى حياته؛ إنها جزء من تكوينه الروحي، المسلم في أقصى الشرق والغرب يعرف اتجاهها، ويقف في صلاته متوجهاً إليها، ويحلم بزيارة بيت الله الحرام، ويشعر أن بينه وبين هذه البقعة علاقة لا تحتاج إلى تفسير طويل.

وفي مكة تتقاطع ذاكرة الدين مع ذاكرة الإنسان؛ هنا البيت الحرام، وهنا الكعبة، وهنا المشاعر التي تستقبل كل عام ملايين الحجاج من مختلف البلدان واللغات والأعراق. ولهذا تمتد مكانة مكة إلى كل مسلم، فهي قبلة قلبه، ومهوى فؤاده، والوجهة التي تتجه إليها سجدته.

ولعل أكثر ما يكشف خطورة الاقتراب من مكة أن حرمتها راسخة في النص القرآني وفي وجدان المسلمين منذ قرون. يقول الله تعالى: ﴿وَمَن دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا﴾، ويقول سبحانه: ﴿وَمَن يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾، لذلك تحمل مكة مكانة تتجاوز الحدود السياسية والجغرافية؛ إنها حرمة دينية مستقرة في وجدان المسلمين، ورمز يجتمع حوله المسلمون من مختلف أنحاء العالم.

وأنا من مكة، أشعر بهذه المسألة بطريقة مختلفة، مكة بالنسبة ليست صورة أراها في نشرات الأخبار، ولا اسماً نردده حين نتحدث عن المقدسات؛ مكة جزء من وطني السعودي العظيم، هي الطرق التي نعرفها، والجبال التي ألفناها، وصوت الأذان، والمواسم التي تتغيّر معها المدينة، ووجوه الناس الذين يأتون إليها من كل مكان، ثم يغادرونها ويبقى شيء منهم فيها، ومن يعيش في مكة، أو يزورها، يعرف أن للمكان هيبة خاصة تشعر بعظمتها، وتشعر أن هذه المدينة تحمل في هدوئها تاريخاً طويلاً من الإيمان، وفي شوارعها ذاكرة أمة كاملة؛ ولهذا أقول: مكة ليست هدفاً.. مكة قبلة.

ومن يوجّه سلاحه نحو مكة، يقترب من رمز ديني يعرف المسلمون جميعاً مكانته. وقد أكدت المملكة، في بيان وزارة الخارجية الأخير، حقها في اتخاذ الإجراءات اللازمة لحماية أمن الحرمين الشريفين وضيوف الرحمن وجميع أراضيها ومواطنيها والمقيمين فيها، أما نحن، أبناء هذا الوطن، فننظر إلى يقظة رجال الدفاع الجوي باعتزاز، ونستحضر دائماً أن حماية الحرمين الشريفين شرف ومسؤولية، وأن وراء أمن مكة رجالاً يسهرون على حمايتها، ويقفون في وجه كل تهديد يقترب من أرضها.

ختاماً.. اللهم احفظ ولاة أمرنا، واحفظ قبلة المسلمين ووطننا كله، واحفظ أبطالنا الذين يقفون على ثغور الوطن، ويبذلون أرواحهم في سبيل أمنه وسلامته.. اللهم اكتب لهم نصرك، واكلأهم برعايتك، وردّهم إلى أهلهم سالمين.