يحدثُ أن تحتدم مواجهة الذات للذات في ساحة معركة الجسد بين مشاعر ناجمة عن ردود فعل آنيّة على إساءة وبين ذاكرة عامرة ببصماتٍ مشتملةٍ برداء الإحسان المُتبادل، ومن المؤكد أن استجابة الهجمات المرتدة تتفاوت في حجمها وسرعتها ونجاعتها، بحسب تفاوت المُثير، ومن العسير على مرزيٍّ في وطنه أن يُسجّي ضميره، ويقف متبلّداً بين عاطفةٍ ثائرة، ومنطقٍ رخو بالاحتمالات.
أظنُّ وبعض الظنّ ليس إثماً.. أن غالبية السعوديين يرتبطون بعلاقات متينة، وصداقات متجذرة، ومواقف إنسانية مع إخوتنا اليمنيين، وإن على مستوى وجدانيات تتعاطف مع شعب شاركنا لعقود في بناء وطننا، وكنا نعتقد أن لا أهل لنا ولا جيران عرب إلا (شعب أحمد) فأشكالنا ولهجتنا وعاداتنا تتشابه إلى حدّ كبير، إن لم تتطابق؛ بحكم أن البناء القبَلي يؤسس للانضباط السلوكي، ويُعلي شأن الشيمة والرجولية؛ ويهذّب التصرفات أو يحكمها ولو قسرا؛ فالعيب هو العيب من جنوب اليمن إلى شمال المملكة.
ولا ينكر ولا يتنكر أي يمني (ابن ناس) لدور المملكة اقتصادياً في حياة اليمنيين، وبشهادتهم بألسنتهم وأفئدتهم والجيران لبعضها (والجار ذي القربى والجار الجُنب)، و(لا إيمان لمن لم يأمن جاره بوائقه)؛ ولعلّ أقسى قرار قلب معادلات الأشقاء المالية اتخذه الرئيس الراحل علي عبدالله صالح بالاصطفاف إلى جانب الرئيس صدام حسين إبان غزوه للجارة العزيزة الكويت؛ بحكم الكروكي الذي رُسم بليل، وتهافت الحمقى صباحاً على تنفيذه دون وعي بالعواقب التي لا يمكن درؤها؛ ما كشف عوارهم السياسي؛ وكبّد الشعوب ثمن عنتريات زعامات ليس لها من الزعامة إلا اسمها، وانقطعت أخبار (الخُبرة) الذين ألفناهم؛ إذ على مستوى شخصي؛ وعيت على الحياة؛ والشقيق اليمني حاضر في قُرانا ومدننا ومزارعنا ومراعينا، فهو البناء والمزارع والراعي والعامل والتاجر، ثم المقاول ثم مورّد البضائع المؤتمن، والشريك الناجح؛ وسرعان ما غدا (أبو يمن) جزءًا من نسيجنا الاجتماعي؛ فهو الوافد الأكثر التصاقا بعاداتنا وتقاليدنا؛ يحترم ويقدّس الأعراف الاجتماعية؛ والأخلاق الدينية؛ ويشارك بالرفد في الزواج، ويعشي عن الميّت؛ ويحضر العزاء كأنه من أفراد القرية، وبعدما يعودون إلى بلادهم يجوبون الأسواق للشراء، فاليمني كريم مع نفسه ومع أهله وترى سياراتهم وهي تعبر الحدود تتمايل بأحمال وأمتعة مرصوصة بعناية وإحكام، ثم يعاودون القدوم؛ ونشتم في البيوت والمسارب رائحة البُن الخولاني؛ ونتلذذ بقضم الزبيب الرازقي.
صحيح أن الشعوب لديها قابلية الإذعان للدعاية السياسية، بل وتبنيها، وإن كانت جاهلة بتبعاتها وعواقبها؛ ومن المؤسف أن بعضها لا يتعلّم من التجارب، ولا يراكم الخبرات لتفادي تكرار ذات الأخطاء، وتاريخ اليمن الحديث يوثّق موقف المملكة من الناصرية؛ التي صدّرت قوميتها بقوة السلاح، لكي تدفع الآمنين والمشغولين المشتغلين بلقمة العيش إلى الثورة وحمل السلاح على مكوّن وطني؛ سواءً قبلناه أو رفضناه؛ وليس بالضرورة أنّ حكم العسكر عامل استقرار، وضامن رخاء، إذا ما كاد الشقيق يفيق من صدمات الماضي، حتى داهمته هذه المرة الأيديولوجية المنتسبة إلى فضاء ملغوم وهواء مسموم، وعاد (أبو يمن) مجدّداً يتكبّد أرزاء خطابات تتاجر بالأرض والسماء، واعتنق هويّةً ليست هويّته؛ ومنهجاً يخالف مبادئ مِلّته؛ واستثمر تجار الحرب في دماء الشعب؛ ما يبعث على التساؤل؛ أي شقوةٍ هذه التي كل عقدين أو ثلاثة تعيد شعباً كريماً إلى مربع الأزمات الأوّل؟.
ربما شعرنا بفرق كبير، بين أشقاء وأبناء بلدان صديقة جاؤوا للعمل في بلادنا والبحث عن مصادر رزق بعدما غادرنا أبو يمن في التسعينيات، إلا أننا لاحظنا الفرق، فكل صاحب عمل تعامل مع جنسيّة أخرى كان غالباً يردد (الله يسقي زمن أبو يمن) لأنه يدّ عاملة بأمانة وجودة وأخوّة العيش والملح مقدّسة، ولعل جيراننا لا ينكرون أنهم قاسمونا رحلة الشقاء والرخاء، ولن ينسوا ما بيننا من نخوة وإخاء.
وربما لم نتصوّر ولا نتمنى أن يأتي اليوم الذي تُطلق فيه القذائف وتُوجّه المسيرات من جيران أعزاء نحو بلاد الحرمين وليس المقام مقام مِنّة على فضل نهى القرآن عن نسيانه (ولا تنسوا الفضل بينكم)، ولكنه استنكار واستهجان، على شريحةٍ لا تكاد تمثّل عُشر اليمنيين؛ وهم ضحايا التسييس والأدلجة؛ التي تفعل الأعاجيب؛ ولم تعد المؤامرة نظريّة نؤمن أو نكفر بها؛ بل غدت داعرة؛ تتبرج وتستعرض دناءتها شبه متعريّة؛ وتمد لسانها استخفافاً بوعي عربي عانى من قياداته ومن تصرفاته؛ وصالى الجحيم إلا أنه لم ينضج؛ وها أنا منذ زمن أتخبّر عن شريكنا في الدكان (ناجي) وشقيقه (محمد) وأبعث له برسالة سلام وأسأله (وينك يا جِنّي) كما كان يقول عندما يشعر أني تأخرتُ عليه؛ ولأنه يعشق الشعر الشعبي أختم رسالتي بقصيدة (ويقل علي ولد زايد؛ يا ديرتي يا حبيبه؛ ما ينفعك كوب أسقاك، دام الليالي جديبه).