في السياسة، لا تكشف الجماعات المسلحة حقيقتها بما تقوله في لحظة التعبئة فقط، بل بما تفعله عندما تصبح أمام طاولة التفاوض، لهذا تبدو التطورات الأخيرة في اليمن شديدة الدلالة، حيث نقلت رويترز أن مسؤولين أمريكيين التقوا ممثلين بارزين عن الحوثيين في مسقط داخل السفارة الأمريكية، وأن الحوثيين أبلغوا الجانب الأمريكي أنهم لا ينوون مهاجمة السفن الأمريكية أو الإسرائيلية، مع تأكيد الالتزام باتفاق وقف إطلاق النار السابق.
المفارقة هنا ليست في حدوث التفاوض رغم أن الحوثي لا يستحق الجلوس على طاولة المفاوضات باعتبار عدم شرعيته؛ وإن قلنا إن التفاوض جزء طبيعي من إدارة النزاعات، لكن المفارقة في الفجوة بين الخطاب العقائدي والممارسة السياسية.
الحوثيون بنوا جانبًا أساسيًا من خطابهم على العداء للولايات المتحدة وإسرائيل، وجعلوا من مواجهة أمريكا جزءًا من هوية الجماعة وشعاراتها، وعندما تتغيّر موازين المصالح تصبح الولايات المتحدة نفسها طرفًا يمكن نقاشه وتقديم الضمانات له، والتفاهم معه على خطوط حمراء محددة، والأكثر دلالة أن هذا يأتي بالتزامن مع حديث ترمب عن أن الحوثيين تواصلوا مع الإدارة الأمريكية وطلبوا منها عدم التدخل في الصراع، وأن واشنطن لم تتجه إلى ضربهم مباشرة، هنا تبرز المشكلة الحقيقية: هل كانت أمريكا عدوًا عقائديًا، أم خصمًا سياسيًا يمكن التفاهم معه عندما تقتضي المصلحة؟
هذا يفسر المفارقة في تناقض الموقف الحوثي، غير أنها جماعة غير شرعية شاذة لا تقيم أي علاقة دبلوماسية وسياسية مع العالم، على اعتبار تصنيفها كجماعة إرهابية، حيث إنهم يقيمون نظامًا حاليًا في صنعاء هدم كل أركان الجمهورية وهتك نسيج اليمن على جميع الأصعدة، فهم يسعون إلى دولة ولائية على غرار -بل أسوأ- من نظام طهران، رأسها السيد الذي لا توجد له صفة سياسية أصلاً في الدستور اليمني!
لقد تنازل الحوثيون عن عقيدتهم عندما اقتضت المصلحة، وهذا التفاوض بمثابة الإعلان عن تنازلها عن أيديولوجيتها التي أقامت عليها مبدأ الصراع، فكيف يتحوّل «العدو الأكبر» في الخطاب إلى طرف تجرى معه محادثات لترتيب أمن السفن والممرات البحرية؟ المسألة هنا لا تتعلق بالحوثيين وحدهم، إنها واحدة من أقدم مشكلات الحركات العقائدية المسلحة، حين تتحوّل العقيدة إلى سلطة، تدخل معها المصلحة إلى الغرفة نفسها، وفي الزمن الكثير من الشواهد.
في تلك اللحظة يبدأ الخطاب في التغيّر؛ فالعدو المطلق يصبح خصمًا قابلًا للتفاوض، والشعار يتحوّل إلى ورقة ضغط، والمواجهة التي قُدمت باعتبارها مبدأً تتحول إلى ملف تفاوضي، وهذا يعني أن كل ما تقوله الجماعة كان زائفًا، وأن التفاوض وحده يسقط عقيدتها، وهو يكشف شيئًا أكثر أهمية؛ أن السياسة في النهاية تختبر العقائد أكثر مما تختبرها المنابر.
بدت الصورة الحالية وكأنها تعرية، لا لسلوك الحوثيين وحدهم وعقيدتهم، بل لفكرة أوسع وهي أن الجماعة المسلحة عندما تصبح طرفًا في لعبة المصالح الدولية يضطر الواقع إلى كشف المسافة بين ما تقوله عن نفسها وصحة مبادئها، وما تستطيع أن تفعله عندما تجلس أمام خصم اختلقت الخلاف معه على طاولة النقاش.!