يعود ملف الذاكرة الوطنية والرمزية السياسية ليهز أروقة البرلمان في دولة عربية كبرى، على وقع مذكرة نيابية جديدة تطالب بالإطاحة بالنشيد الوطني الحالي والبحث عن بديل ينبض بخصوصية التاريخ والحضارة. هذا الجدل المتجدد لا يقتصر على كونه مجرد سجال عابر، بل يكشف عن انقسام عميق بين تيار يرى في النشيد الحالي جزءاً لا يتجزأ من الوجدان الجمعي، وفريق آخر يصر على أن الكلمات العامة لا تمثل وعاءً حقيقياً لإرث البلاد.

وتستند عاصفة الاحتجاجات البرلمانية العراقية إلى حقيقة أن النشيد المستخدم حالياً كتبه الشاعر الفلسطيني إبراهيم طوقان ولحنه اللبناني محمد فليفل، مما يفتح الباب أمام تساؤلات حادة حول غياب البصمة العراقية الخالصة التي تعبر عن العمق التاريخي والجغرافي لبلاد الرافدين. ولم تكن هذه المحاولة الأولى من نوعها، فمنذ تعثر لجان عام 2012 التي حاولت تبني قصائد رمز الشعر العربي محمد مهدي الجواهري وسط خلافات سياسية ومطالب قومية متعددة، مروراً بمقترح عام 2019 لاعتماد رائعة القيصر كاظم الساهر «سلام عليك» والتي اصطدمت باعتراضات معيارية، لا تزال جبهة التغيير تصطدم بصلابة التجاذبات الحزبية والمحاصصة.

وبينما تتناسل المقترحات حول نصوص مستوحاة من دجلة والفرات ووحدة النسيج الوطني، يقف النشيد الوطني العراقي الحالي شاهداً على تاريخ مرحلة انتقالية مفصلية. ومع تجدد الضغوط النيابية وارتفاع أصوات الراغبين بربط الرموز السياسية بسيادة الهوية العراقية الخاصة، يبقى السؤال معلقاً بانتظار توافق سياسي عجزت عنه جدران البرلمان العراقي طويلاً، فهل تنجح مبادرة هذا الأسبوع في تغيير نشيد العراق، أم ينضم المقترح الجديد إلى مقابر المشاريع المعلقة؟