قبل أسبوع، عدنا إلى حرب الناقلات في ثمانينات القرن الماضي، حين تحوّلت مياه الخليج الدافئة إلى مسرح مفتوح لصراع امتد إلى السفن التجارية وطرق إمداد الطاقة، وكان استدعاء ذلك التاريخ في مقالي السابق مهمّاً لاستحضار ذاكرة المكان والأحداث المصاحبة له آنذاك، غير أن ما يحدث اليوم في مضيق هرمز يدفعنا إلى قراءة المشهد من زاوية أشد خطورة؛ فالناقلات التي كانت ضحية للحرب أصبحت في المواجهة الراهنة جزءاً من أدواتها، وأصبح النفط المحمول في جوفها هدفاً سياسيّاً وعسكريّاً يتجاوز في أثره طرفَي الصراع إلى المنطقة والعالم.
خلال الأيام الماضية دخلت المواجهة الأمريكية الإيرانية طوراً بحريّاً بالغ الحساسية، بدأت بشكل صريح حين استهدفت القوات الأمريكية ثلاث ناقلات نفط إيرانية ردّاً على إطلاق صواريخ باليستية باتجاه سفن حربية أمريكية، فيما امتدت الهجمات إلى ناقلات تعبر هرمز، بينها ناقلتان تحملان النفط السعودي، وأدى الهجوم على إحداهما إلى مقتل بحارين، هنا تتغيّر طبيعة الصراع؛ لأن إصابة ناقلة نفط في ممر بهذه الأهمية لا تنتهي آثارها عند حدود الحطام والدخان والخسائر البشرية، وإنما تنتقل سريعاً إلى أسواق الطاقة والتأمين والشحن وسلاسل الإمداد ودائرة واسعة من المصالح العالمية التي لا تنتهي.
الأرقام تكشف حجم الخطر بصورة أوضح، فمثلاً، قبل اندلاع الصراع كان متوسط النفط والمنتجات البترولية العابرة لهرمز يقترب من 21.6 مليون برميل يوميّاً في الربع الأخير من 2025، ثم هبط إلى نحو 4.9 مليون برميل يوميّاً في الربع الثاني من هذا العام، كما أن قرابة خُمس تجارة الغاز الطبيعي المسال عالميّاً كانت تمر عبر المضيق، هذه الأرقام تضع هرمز في مكانه الحقيقي كونه شرياناً للاقتصاد العالمي، وأي اضطراب طويل فيه تتحوّل كلفته من أزمة بحرية إقليمية إلى أزمة طاقة دولية، وهذا ما يحدث بالضبط!
الخطر الأكبر أن الحرب الحالية تعيد تشكيل مفهوم الردع في الخليج، فواشنطن تضرب ناقلات مرتبطة بتصدير النفط الإيراني، وطهران تستخدم أمن الملاحة والعبور البحري مساحة للضغط والرد، وبين الطرفين تتسع دائرة الضرر لتطال دولاً لم تختر هذه الحرب، حتى السعودية التي بنت خط «شرق غرب» ومنظومة تصدير عبر البحر الأحمر لتقليص الارتهان الجغرافي لهرمز، تبقى معنية بأمن الخليج بوصفه جزءاً أصيلاً من أمنها الاقتصادي والسيادي، فيما يكشف تحويل مسارات الشحن عن كلفة إضافية ورحلات أطول وقدرة محدودة على تعويض حجم التدفقات المعتادة.
حرب الناقلات الجديدة أخطر من سابقتها؛ فالعالم اليوم أكثر التصاقاً بالطاقة والأسواق وسلاسل الإمداد، وهامش الخطأ العسكري في ممر ضيق ومزدحم لا يحتمل كثيراً من المغامرة، وبعد أربعة عقود تعود النيران إلى المياه ذاتها، ويبقى السؤال الذي ينبغي ألا يضيع وسط صخب المواجهة: إلى متى يدفع الخليج من أمنه واقتصاده واستقراره فاتورة صراعات لم يخترها؟