الهولندي نيكولاس مولدر أستاذ التاريخ في جامعة كورنيل ومؤلف أحد أهم الكتب عن العقوبات الاقتصادية بعنوان: «السلاح الاقتصادي: صعود العقوبات كأداة للحرب الحديثة»، يشير أولاً إلى أنه من السذاجة اعتبار العقوبات الاقتصادية بديلاً لحقن الدماء وتجنّب الحروب، بل هي سلاح يستخدم ويؤثر في نهاية الأمر على تجويع الشعوب، لكنه أيضاً يشير إلا أن العقوبات الاقتصادية لم تكن بالضرورة رادعة.
ويورد لذلك ثلاثة أمثلة رئيسية وهي ألمانيا النازية، وإيطاليا الفاشية خاصة بعد توجه موسيليني إلى غزو الحبشة في 1935 رداً على العقوبات، وكذلك فعلت اليابان بغزو إندونيسيا النفطية حين حُرمت من شراء النفط والصلب من السوق المفتوحة، كما يشير مولدر إلى أن العقوبات لا تدفع للاستسلام عادة بل تخلق هياكل للتكيّف، وتخدم النظام بالتسويق لشرعيته داخلياً ورفع اللوم عنه جرّاء سوء المعيشة.
ومن هنا يجب النظر ابتداء إلى آليات تجاوز إيران للعقوبات منذ أن كانت بشكل أمريكي منفرد، بداية من أزمة الرهائن في السفارة الأمريكية بطهران وعلى ثلاث فترات وعدة أشكال، مروراً بـ1995 والتي مثلت انطلاقة عقوبات الطرف الثالث عبر عقوبات على الاستثمار الخارجي في مجالات الطاقة، ثم مرحلة انطلاق قرارات مجلس الأمن بين 2006-2010 بعدة قرارات أممية أدت لحظر التسليح وتقييد التكنولوجيا الحسّاسة، وصولاً إلى أحد أكثر القرارات قسوة في العام الماضي، حين اختارت بريطانيا وفرنسا وألمانيا تفعيل آلية الزناد أو السناب باك وذلك في سبتمبر مما أعاد فرض العقوبات الأممية دون منح صلاحية لاستخدام حق النقض (الفيتو).
فإيران عملت على أكثر من مستوى للتكيّف مع العقوبات والقدرة على الاستمرار في تصدير النفط واستيراد وتصدير البضائع رغم العقوبات، وإن بقي ضرر العقوبات بالطبع على ملفات لديها محدودية حركة فيها مثل الاستثمار في تطوير الحقول النفطية وشراء الطائرات المدنية، لكن اللافت في الحالة الإيرانية هو ما أشار إليه بروفيسور براين إيرلي في كتابه «العقوبات المخترقة»، أن العقوبات عادة ما تفشل بدفع من أقرب حلفاء واشنطن ولا يكون لها أي محرك أيديولوجي بل يكون دافعها المحض المصالح التجارية والفرص الاستثمارية البديلة.
ومن هنا نفهم كيف بنت إيران مستويات التكيّف بشكل تراكمي ينتج عادة عن رغبة الالتفاف على كل حزمة عقوبات جديدة، فالمسار الجغرافي جعل من دول الجوار ومنها العراق بعد 2003 وتركيا ودول أخرى في المنطقة أول الحلول للعملة الصعبة وللتبادل التجاري، بالإضافة إلى خلط نفط بعض الدول مع النفط الإيراني لإخفاء مصدره، ثم تأتي القناة النقدية البديلة وأقلها تناولاً في الإعلام العربي هي اتحاد المقاصة الآسيوي والذي تأسس 1974 والذي يتيح التجارة دون معاملة مالية مصاحبة، ويلي ذلك تسوية الحساب بعملة محلية.
كذلك بيع سلع كالنفط مقابل الذهب أو مقابل اليوان الصيني ومؤخراً ظهرت على السطح وتحديداً من 2020 العملات الرقمية، باعتبارها سرداب يمكن أن تنتقل فيه الأموال لاحقاً لإيران دون بصمات واضحة لمن حولها عبر عدة حلقات، ومن يراقب ميزان الصادرات والواردات بين الدول تتضح له هذه اللعبة، فتركيا مثلاً بلغت صادراتها لإيران من الذهب 55 مليون دولار وفي 2011 قفزت إلى 6.5 مليار دولار في عام واحد فقط.
وهناك بطبيعة الحال أسطول الظل وإخفاء منشأ ناقلة النفط وتغيير العلم وإطفاء أجهزة المراقبة، ثم إعادة تصديرها للصين ولأسواق أخرى على أنها نفط ماليزي على سبيل المثال، ثم تتم التحويلات من مصارف صينية صغيرة لا تحتاج سويفت أو التعامل ضمن النظام العالمي الذي تهيمن عليه الولايات المتحدة.
بالطبع هناك بعض الطرق الأخرى التي نعرف عنها، والاحترام العلمي يقول إنه قد تكون هناك وسائل أخرى لم تكشفها الدراسات والتحليلات اليوم، ولكن السؤال يبقى لماذا يجب أن نصدق أن الخنق الاقتصادي الأمريكي اليوم قد يكون مؤثراً أكثر من عقوبات امتدت لأربع عقود؟ وهل يمكن أن نتوقع ردود فعل من إيران غير متوقعة مثل خروج «هرمز» على السطح في بداية المعركة؟
هناك خلل في الإجراءات الحالية أو ما أسميه التفافاً على التفاف إيران، ينجم من محدودية قدرة واشنطن على منع الصين من استيراد النفط الإيراني وهي قدرة ضعيفة على مستوى معاقبة الصين، لكن الفعّال في الإجراءات الأمريكية هو ضرب المنبع عندما ضعفت القدرة على كبح المشتري، فحصار المضيق وضرب ناقلات النفط وربما المنشآت النفطية هو تجفيف من المنبع ولا يمكن استرجاعه بسهولة، وتبقى نقطة محورية كما أشرنا في حالة الصين وهي قدرة واشنطن على إجبار جوار إيران في الخليج وتركيا وآسيا الوسطى على إيقاف التعامل التجاري مع إيران، خاصة مع تهديد وزارة الخزانة بقطع الدولار عنهم.
على المستوى التكتيكي يجب أن تنظر إيران للتصعيد الاقتصادي من أمريكا نحو كندا لتتأكد أن المراهنة على خشية الرئيس ترمب في الانتخابات النصفية مبالغ فيها، وعلى أمريكا أن تنظر إلى الخطر الإستراتيجي من إجراءاتها الأخيرة عبر دفع مزيد من الاقتصادات الآسيوية والأوروبية لتقليل اعتمادها على الدولار، وعلى خطورة جلب تواجد عسكري صيني لتأمين ناقلات النفط من إيران أو حتى الخليج، وعلى مستوى الوسطاء في باكستان وقطر وغيرهما، فعليهم أن يبتكروا سلماً جديداً ينزل الجميع من الشجرة، حيث هذا ما يغيب عن أدبيات طرفي الصراع أقله علناً.