أول مشكلة عندي كمدخل مهم لمقالي هي مع كلمة «مستعمر» نفسها!
فهي، في العربية، من جذر عَمَرَ؛ والعمران نقيض الخراب، والمستعمر ـ في دلالة اللفظ ـ هو الذي يعمّر الأرض ويحييها.
لكن المشكلة أن المستعمرين، حين دخلوا بلادنا، خرّبوا أكثر مما عمّروا، ثم تركوا لنا مهمة تفسير الخراب باعتباره عمراناً، والنهب باعتباره تنمية، والسيطرة باعتبارها تحديثاً!
ولعل هذا من أكثر ما يثير الدهشة في قصة الاستعمار: ليس فقط أنه احتل الأرض، ونهب الثروة، وتدخل في السياسة، وإنما أنه نجح أحياناً في أن يجعل لغة المستعمَر نفسها تشهد للمستعمِر!
ولذلك، قبل أن نسأل: ماذا بنى المستعمر؟
علينا أن نسأل أولاً: لماذا بنى؟ ولمن كان ما بناه؟ ومن دفع ثمنه؟ ومن استفاد منه؟
وهنا تكفي تجربة الهند لتسقط كثيراً من أساطير «الرجل الأبيض» عن نفسه.
ففي المناظرة الشهيرة التي ألقاها السياسي والكاتب الهندي البارع شاشي ثارور في قاعة اتحاد أكسفورد سنة 2015، لم يقف الرجل في قاعة بريطانية ليشتم بريطانيا، وإنما فعل شيئاً أكثر إحراجاً حين أعاد تعريف الإنجاز الاستعماري بأدواته وأرقامه.
حين قيل له: «ولكن البريطانيين بنوا السكك الحديدية والطرق في الهند»، جاء رده المفحم: «إن هذه السكك لم تُبنَ أولاً لتلبية حاجات الهنود، وإنما لخدمة المصالح البريطانية؛ لنقل المواد الخام من الداخل إلى الموانئ، ثم شحنها إلى بريطانيا. والأهم أن إنشاءها جرى بنظام منح المستثمرين البريطانيين عوائد مضمونة من الضرائب الهندية، بينما كانت التكنولوجيا والمعدات والأرباح بأيدي البريطانيين».
ثم وضع ثارور السؤال في موضعه الحقيقي: هل يحتاج شعب إلى أن يُستعمر لكي تُبنى له السكك الحديدية؟
بالطبع لا.
فالطريق ليس خيراً في ذاته إذا كان قد شُقّ لكي يخرج ثروتك من بلدك، والسكك الحديدية ليست هدية إذا كان المستفيد الأكبر منها هو الذي يحتل بلدك.
ثم جاءت الأرقام لتكون أكثر إفحاماً من الخطابة.
فبحسب الأرقام التي يستند إليها ثارور في كتابه «An Era of Darkness – عصر الظلام: الإمبراطورية البريطانية في الهند»، كانت حصة الهند من الاقتصاد العالمي نحو 23% عندما بدأ البريطانيون السيطرة عليها، ثم أصبحت عند رحيلهم أكثر قليلاً من 3%. وهو يلخص المسألة بقوله إن السبب بسيط: «كانت الهند تُحكم لمصلحة بريطانيا».
ولا يعني هذا أن كل ما أنشئ في الحقبة الاستعمارية كان عديم القيمة، أو أن الهند لم تستفد لاحقاً من بعض المؤسسات التي خلفها الاستعمار؛ وإنما يعني أن تحويل آثار المشروع الاستعماري إلى شهادة براءة للاستعمار نفسه مغالطة تاريخية.
وهذا هو تحديداً ما فعله ثارور في عقر دار المستعمر.. لم ينكر وجود السكك الحديدية والمؤسسات واللغة الإنجليزية؛ وإنما سأل السؤال الذي لا يريد المستعمر أن يُسأل:
هل بنيتَها من أجلنا أم من أجل نفسك؟
وهنا يحضر في ذهني حديث الأستاذ سامي عبداللطيف النصف الأخير عن «سايكس ـ بيكو»؛ خصوصاً حين تحول الخطاب من نقد آثار الاستعمار إلى الاقتراب من تبرئة المستعمر من مسؤوليته التاريخية.
ولست هنا بصدد مناقشة الرجل في كل ما قال، وإنما أقارن بين الموقع الذي يتحدث منه والموقع الذي وقف فيه ثارور.
فذاك هندي وقف في قلب المؤسسة البريطانية نفسها، ولم يجد حرجاً في أن يقول للبريطانيين: أنتم تتحدثون عن إنجازاتكم، وأنا أسألكم عن ثمن تلك الإنجازات ومن دفعه.
أما نحن -كخليجيين وعرب، فكم مرة نظرنا وننظر إلى تاريخ المستعمر بعين المستعمر نفسه؟
بل ماذا لو كان الأستاذ النصف، وهو وزير سابق وسياسي خليجي عربي، في تلك القاعة البريطانية مكان السياسي الهندي ثارور؟
أخشى أنه كان سيصف الملك تشارلز بما وصف به شاعر ونائب كويتي ذات يوم الرئيس جورج بوش الأب عند حضوره مجلس الأمة الكويتي في أعقاب حرب الخليج الثانية، حينما وصفه بـ«كحيلان»!
ولست أقصد بالطبع التهكم من النصف أو التحامل عليه -وله كل الاحترام والتقدير، بقدر ما أقصد المفارقة.. هل كنا سنرى المستعمرَ مستعمراً، لو كنا نحن في موقعه؟
ولعل الأندلس تمنحنا جواباً ومعياراً في آنٍ واحد؛ فقد كانت تجربتنا الحضارية هناك أقدم من التجربة البريطانية، وأقدر ـفي جوانبها المضيئةـ على أن تقول لنا إن التعايش مع الآخر لا يستلزم اقتلاع هويته، وإن العمران لا يحتاج إلى أن يسبقه الخراب.
لقد كان روديار كيبلنغ -شاعر الكولونيالية الأبرز، والمولود في هند ثارور!- أكثر ذكاءً من كثير من المدافعين المعاصرين عن الاستعمار؛ لأنه لم ينكر السيطرة، بل أعطاها اسماً أخلاقياً: «عبء الرجل الأبيض».
في قصيدته الشهيرة The White Man's«Burden – عبء الرجل الأبيض» سنة 1899، دعا الرجل الأبيض إلى حمل «عبئه»، متحدثاً عن الشعوب المستعمَرة بلغة الوصاية والطفولة، وعن الحروب الإمبراطورية باعتبارها جزءاً من مهمة «تمدين» الآخرين.
وهكذا تحولت القصيدة، في الوعي الكولونيالي الإمبراطوري، إلى ما يشبه صك براءة أدبياً: لسنا نحتلهم لأننا نريد أرضهم وخيراتها، بل لأننا نريد لهم الخير!
وليس أخطر من استعمار الأرض إلا استعمار المعنى.
ولننقل عدسة التاريخ الآن إلى وطني البحرين..
فإذا أردنا أن نعرف ماذا فعل البريطانيون في وطني -وبصورة أعم في الوطن العربي، فلا يصح أن نبدأ من صورة «المستشار البريطاني» وهو يحمل أوراق الإصلاح، وإنما علينا أن نعود إلى سؤال أبسط: هل كانت البحرين تنتظر البريطانيين لكي تعرف معنى التعليم والإدارة والمشاركة؟
الجواب: لا.
ففي سنة 1919 بدأت في البحرين مسيرة التعليم النظامي الحديث بافتتاح مدرسة الهداية الخليفية بالمحرق، التي تعد أول مدرسة نظامية حديثة في البحرين والخليج العربي. ولم تكن مشروعاً بريطانياً أتى به المقيم السياسي إلى البحرين، بل نشأت بجهود بحرينية رسمية وأهلية، وشُكلت إدارة للتعليم، وفتح باب التبرعات، وأسهم الأهالي بأموالهم في بناء المدرسة.
أي أن أول مدرسة نظامية في الخليج لم تكن هدية من المستعمر!
وهنا ينبغي أن نكون منصفين أيضاً.
فليس معنى ذلك أن كل ما جاء بعد ذلك من تطوير إداري في البحرين كان شراً، أو أن كل شخصية بريطانية كانت تعمل بالضرورة وفق أجندة استعمارية واحدة.
خذوا تشارلز بلجريف الشخصية الأجنبية الأشهر في تاريخ البحرين المعاصر مثالاً.
لقد كانت له بالفعل إسهامات ملموسة في تطوير الإدارة الحكومية البحرينية، وهذا أمر لا ينبغي إنكاره لمجرد أن الرجل بريطاني.
لكن حتى هنا هناك تفصيل تاريخي مهم يغيب أحياناً عن الرواية: بلجريف لم يأتِ إلى البحرين بوصفه «المقيم البريطاني» أو ممثلاً للحكومة البريطانية.
بل كان مستشاراً شخصياً للحاكم، وكانت وظيفته قد أُعلن عنها في صحيفة The Times البريطانية سنة 1925، ثم جاء إلى البحرين لمباشرة عمله سنة 1926.
وهذا التفصيل لا يقلل من أثره، وإنما يضعه في سياقه الصحيح.
لكن الحكاية تصبح أكثر دلالة حين نصل إلى السياسة.
فإذا كان الاستعمار جاء «ليعلّمنا الديمقراطية»، فلماذا كان ينزعج عندما كان يمارس البحرينيون شيئاً من السياسة ويطالبون باليسير من الديموقراطية؟
ففي عشرينيات القرن الماضي ظهرت مطالب بحرينية بتشكيل مجالس استشارية وتشريعية، وكان عبدالوهاب الزياني وأحمد بن لاحج من أبرز المعارضين للتدخل البريطاني في شؤون البحرين.
وفي سنة 1923 تشكل المؤتمر الوطني البحريني، ومن مطالبه تشكيل مجلس استشاري، بل ووردت المطالبة بمجلس تشريعي. وعندما استُدعي أعضاء المؤتمر إلى الوكالة السياسية البريطانية في نوفمبر من العام نفسه، جرى اعتقال الزياني وابن لاحج وترحيلهما إلى الهند.
والوثائق البريطانية نفسها، المحفوظة اليوم في مكتبة قطر الرقمية من سجلات مكتب الهند، تحفظ تفاصيل ترحيل الرجلين إلى بومباي واحتجازهما هناك. بل إن ملف الزياني وابن لاحج يتضمن التماسات ووثائق مرتبطة بقضيتهما.
والأكثر سخرية من المفارقة أن الزياني، بعد نفيه إلى الهند، واصل مقاومته للتدخل البريطاني، واستعان بالمحامي والسياسي الهندي محمد علي جناح -مؤسس باكستان بعدها- في الطعن أمام المحاكم والسلطات الهندية في قضية نفيه وما ارتبط بها من اعتراض على التدخل البريطاني في شؤون البحرين.
أي أن بحرينياً طالب بالشورى في بلاده، فتم نفيه من البريطانيين إلى الهند؛ ثم أتى رجل هندي، سيصبح لاحقاً مؤسس باكستان، ودافع عن حق البحريني أمام المؤسسة الاستعمارية نفسها!
أليست هذه وحدها كافية لتجعلنا نعيد التفكير في عبارة «المستعمر الذي جاء ليعلمنا الديمقراطية»؟
والأكثر غرابة أن بعض الروايات تجعلنا نتصور أن البريطاني كان في البحرين -وأينما وطأ محتلاً- مجرد مراقب محايد، أو موظفاً جاء ليمنحنا الإدارة الحديثة.
لكن تاريخ البحرين في تلك المرحلة يكشف عن تدخل بريطاني عميق في الشؤون الداخلية، وعن صراع حول حدود سلطة الحاكم والمجالس والإدارة والإصلاحات.
وهنا لا يمكن اختزال التاريخ في ثنائية ساذجة: «البريطانيون أشرار، والبحرينيون أخيار».
التاريخ أعقد من ذلك.
لكن التعقيد لا يعني تبرئة المستعمر.
بل يعني أن نسأل: من كان صاحب القرار؟ ومن كان يملك القوة؟ ومن كان يملك حق الاعتراض؟
فإذا كانت بريطانيا تؤمن فعلاً بأن المؤسسات التمثيلية والديمقراطية خير مطلق، فلماذا كانت تتحسس منها حين طالب بها أهل البحرين؟
وهناك بُعد آخر أكثر مرارة.
لم يكتفِ الاستعمار في مناطق كثيرة من عالمنا العربي خاصة بإدارة الاختلافات الموجودة؛ بل ارتبطت سياساته أحياناً بتصنيف الجماعات وإدارة الانقسامات الاجتماعية والطائفية بما يخدم استقرار نفوذه.
والبحرين ليست استثناءً من تاريخ طويل من التدخل البريطاني في التوازنات الداخلية.
ولهذا فإن أخطر ما يفعله الاستعمار ليس أن يضع جندياً عند بابك، وإنما أن يجعلك تتنازع مع أخيك حول تعريف الوطن، بينما يقف هو فوق الخلاف بوصفه الحكم والوسيط والحامي.. أو كما صاغ المتنبي الفكرة شعرياً.. فيك الخصام وأنت الخصم والحكم!
ولذلك أعود إلى الكلمة الأولى:
«مستعمر»..
كلمة عربية جميلة في أصلها، لكنها في تجربتنا التاريخية تكاد تكون ساخرة وقاهرة.
فالذي سميناه «مستعمراً» لم يكن دائماً يعمّر.
والذي قال إنه جاء بالتعليم لم يكن أول من علّمنا.
والذي قال إنه جاء بالديمقراطية لم يكن سعيداً دائماً حين طالبنا بها.
والذي قال إنه جاء ليحمي مصالحنا كان عليه أولاً أن يثبت أن مصالحنا كانت هي المقصودة، لا مصالح إمبراطوريته.
وهنا أجد أن أفضل ما يمكن أن نفعله ليس أن نحذف فصل «الاستعمار» من فصول تاريخنا، ولا أن ننكر كل مؤسسة تركها خلفه، وإنما أن ننزعه من روايته «التنزيهية» لنفسه.
فالطريق الذي بناه المستعمر لا يصبح فضيلة لمجرد أنه طريق.
والمدرسة التي أنشأها المستعمر لا تصبح هدية لمجرد أنها مدرسة.
والمؤسسة التي أدخلها المستعمر لا تصبح دليلاً على حسن نيته لمجرد أنها مؤسسة.
السؤال دائماً يجب أن يكون حينما نعود لذلك الفصل: من بناها؟ ولماذا؟ ولمن؟ ومن دفع ثمنها؟
وإذا أردنا أن نختم الحكاية بأسطر قليلة، فلنقل:
كذب «المستعمرون» ولو صدقوا؛ لأن أكبر أكاذيب الاستعمار لم تكن في ما قاله عن نفسه، بل في ما أقنعنا نحن أن نقوله عنه.
ثم لعل المفارقة الأجمل والتي أختم بها هي في أن الهندي شاشي ثارور لم يحتج إلى تحطيم تماثيل البريطانيين، ولا إلى شتم بريطانيا، لكي يهزم روايتها.
وقف في أكسفورد، في دار المستعمر، وأعاد إليه فاتورة «التمدين».
وهذا هو الدرس الذي نحتاجه نحن أيضاً:
لا نحتاج إلى كراهية الغرب، وإنما نحتاج إلى أن نتوقف عن رؤية تاريخنا بعينيه.
والحمد لله الذي ينشر هذا المقال في منبرٍ من وطنٍ لم تطأه يوماً قدمُ محتل؛ حتى لا يأتي من ينسب إلى المستعمر فضلاً في تأسيس «عكاظ»!