لم تعد المواجهة بين الولايات المتحدة وإيران محصورة في الصواريخ والطائرات والمسيّرات، بل انتقلت بصورة متزايدة إلى جبهة أكثر هدوءًا وأطول زمناً وهي الاقتصاد، فالعقوبات الأمريكية الأخيرة تضع طهران أمام اختبار مختلف، لأنها تستهدف مصادر التمويل التي تحتاجها إيران لتنفيذ سياساتها الداخلية والخارجية، فالحرب العسكرية تضرب المنشآت والبنية التحتية خلال ساعات، لكنها تظل مرتبطة بحدود جغرافية وزمنية، بينما تستطيع العقوبات أن تمتد عبر البنوك والشركات والسفن والتجارة والطاقة لسنوات، ولهذا تبدو المعركة الاقتصادية في بعض الأحيان أكثر تعقيدًا من المواجهة العسكرية المباشرة، فالقنبلة تستطيع تدمير منشأة، لكن العقوبة تستطيع تعطيل قدرتها على إعادة البناء وشراء المعدات وتمويل عملياتها، ومن هنا يمكن فهم إصرار واشنطن على توسيع دائرة العقوبات، ومحاولة جعل التعامل مع الاقتصاد الإيراني نفسه مخاطرة بالنسبة إلى الآخرين، إنها حرب يمكن لآثارها أن تصل إلى كل بيت وسوق ومؤسسة في إيران.

الحرب العسكرية -رغم قسوتها- تمنح الدولة المستهدفة أحيانًا فرصة للالتفاف والاستفادة منها، فعندما تتعرّض دولة لهجوم خارجي، يمكن للسلطة الحاكمة أن تقدّم نفسها باعتبارها المدافع عن السيادة الوطنية، وأن تحوّل الخلافات الداخلية إلى قضية وطنية، وهو ما حدث في طهران والتي استغلت التهديد الخارجي لتعزيز خطاب المقاومة وتعبئة الشارع، أما العقوبات الاقتصادية فمختلفة تماماً شكلاً وموضوعًا؛ فهي لا تستخدم الطائرات المقاتلة أو الصواريخ، وإنما تنعكس في ارتفاع الأسعار، وتراجع قيمة العملة، وصعوبة الاستثمارات وعرقلة التكنولوجيا، وتقلص فرص العمل، ولذلك فإن تأثيرها السياسي أكثر تعقيدًا؛ فهي تدفع المجتمع إلى تحميل الحكومة مسؤولية الأزمة، وبمرور الوقت تتفاقم الأزمات وتتوسع على أكثر من صعيد.

غير أن إيران تتمتع بخبرة طويلة في التعامل مع العقوبات، وهو ما يجعل الاعتقاد بأن الضغط الاقتصادي سيؤدي سريعًا إلى انهيار النظام أمرًا مبالغًا فيه، فقد طورت طهران خلال العقود الماضية شبكات تجارية ومالية معقدة، واعتمدت على وسطاء وأسواق بديلة وطرق مختلفة لتصدير النفط والحصول على العملات الأجنبية، كما أن تمتعها بشبكة علاقات مع شركاء اقتصاديين كبار -وفي مقدمتهم الصين- يمنحها منافذ يصعب إغلاقها بالكامل، لكن الخبرة في الالتفاف على العقوبات لا تعني أن العقوبات بلا تأثير، فكل عملية بيع أو تحويل مالي تتم عبر قنوات أكثر تعقيدًا تصبح أكثر تكلفة وأقل كفاءة، وكل شركة دولية تتردد في التعامل مع إيران تضيّق مساحة الحركة أمام الاقتصاد الإيراني، وهنا يظهر الفرق بين الحرب والعقوبات، فالحرب قد تحقق نتائج ضخمة وسريعة، لكنها تحمل مخاطر التصعيد، بينما العقوبات تحقق استنزافًا تدريجيًا، غير أنها قد تكون أكثر قدرة على إنهاك الاقتصاد إذا استمرت لفترة طويلة، ولذلك فإن السؤال الحقيقي ليس أيهما أقوى في فترة زمنية محددة، بل أيهما يستطيع الاستمرار لفترة زمنية أطول.

ومن زاوية أخرى تحمل الحرب العسكرية ضد إيران خطرًا لا يمكن تجاهله، وهو إمكانية خروج المواجهة عن السيطرة، فضربة واحدة قد تستدعي ردًا، والرد قد يقود إلى رد آخر، وهو ما قد ينتهي بمواجهة مفتوحة يصعب تحديد نهايتها، أما العقوبات فتمنح واشنطن مساحة أكبر للتحكم في مستوى التصعيد، إذ تستطيع إضافة كيانات جديدة أو توسيع نطاق العقوبات أو تخفيفها وفقًا لتطورات الموقف السياسي.

لكن هذه الأداة ليست خالية من المخاطر أيضًا؛ فلو وصلت الضغوط الاقتصادية إلى مستوى شديد، فقد تلجأ إيران إلى خطوات تصعيدية إقليمياً أو في أسواق الطاقة للرد على الولايات المتحدة، كما أن الضغط على صادرات النفط الإيرانية يمكن أن يؤثر في أسواق الطاقة العالمية، ما يجعل العقوبات قضية تتجاوز العلاقة الثنائية بين واشنطن وطهران، ولذلك تبدو المعركة الاقتصادية أشبه بحرب أعصاب طويلة المدى.

غير أنه في نهاية المطاف لا تبدو المقارنة بين الحرب والعقوبات مسألة اختيار بسيط بين أداتين، بل هي مقارنة بين نوعين مختلفين من الضغوط، حرب عسكرية أكثر تدميرًا وسرعة، لكنها أكثر خطورة وأعلى تكلفة سياسيًا وإنسانيًا، وعقوبات أبطأ وأكثر تدرجًا، لكنها تستطيع استنزاف الاقتصاد وإضعاف قدرة الدولة على تمويل سياساتها لفترة طويلة، ولهذا يبدو أن واشنطن تراهن على أن الضغط الاقتصادي يمكن أن يحقق ما لا تستطيع الحرب تحقيقه من دون الدخول في مواجهة شاملة، لكن نجاح هذه الإستراتيجية سيعتمد على عاملين أساسيين، أولهما هو قدرة إيران على إيجاد منافذ اقتصادية بديلة، وثانيهما هو قدرة الولايات المتحدة على إقناع شركائها بالالتزام بالعقوبات، وفي كل الأحوال تظهر الجبهة الاقتصادية اليوم كواحدة من أهم ساحات الصراع بين إيران وبين كافة دول المنطقة.