عندما أقرأ الأرقام والمؤشرات لأي عمل أو مشروع لا أهتم صدقًا بالرقم كعدد ضخم إنما كمنتج يمكن الاستفادة وتفعيله؛ خاصة وأن بعض الأرقام تأتي محمّلة بما هو أكبر من قيمتها الحسابية، تختصر وراءها حكاية كاملة عن اتجاه جديد، وتحوّل يحدث بصمت، ومستقبل تتشكّل ملامحه قبل أن نصل إليه، لذلك لفتني الرئيس التنفيذي لأكاديمية طويق المهندس عبدالعزيز الحمادي، حينما قال إن أكثر من 2500 طالب وطالبة تخرجوا في مجال التقنيات المتقدمة، ليقودوا الاقتصاد الرقمي للمملكة في السنوات القادمة، فإنني لا أتوقف طويلًا عند الرقم بقدر ما أتوقف عند العبارة التي تليه: «ليقودوا الاقتصاد الرقمي».

فالفارق كبير بين أن نُدرب أبناءنا على استخدام التقنية، وأن نُعدّهم لصناعة التقنية وقيادتها، اليوم تغيّر شكل الاقتصاد كما تغيّر شكل العالم من حولنا؛ فلم تعد الثروة تُقاس بما نملكه من موارد فقط، ولم تعد قيمة الدول مرتبطة بحجم مصانعها وأسواقها وحدها، فهناك ثروة أخرى أكثر خفاءً، لكنها أشد تأثيرًا: المعرفة، والبيانات، والابتكار، والقدرة على تحويل الفكرة إلى قيمة.

ومن هنا يأتي الاقتصاد الرقمي بوصفه أكثر من مصطلح حديث يتردد في المؤتمرات والتقارير وعلى طاولات الأعمال؛ إنه الشكل الجديد للاقتصاد، الذي تتداخل فيه التقنية مع تفاصيل حياتنا وقطاعاتنا كافة، من التعليم والصحة إلى الصناعة والتجارة، ومن الخدمات الحكومية إلى السياحة والإعلام حتى أصبحت المهارة الرقمية إحدى أدوات الإنتاج، وأصبح المبرمج والمطور والمبتكر شريكًا في صناعة القيمة الاقتصادية، لا مجرد موظف في قطاع تقني.

ولذلك، فإن الاستثمار في شبابنا حالما يتعلمون الذكاء الاصطناعي أو البرمجة أو الأمن السيبراني أو غيرها من التقنيات المتقدّمة، ليس استثمارًا في وظيفة قادمة فقط، وإنما استثمار في قدرة وطنية على صناعة ما سيحتاجه المستقبل. وهنا تحديدًا تكمن أهمية ما يحدث اليوم؛ فنحن لا نريد أبناءً يجيدون استخدام التطبيقات التي يصنعها الآخرون فحسب، بل نريد عقولًا تستطيع أن تسأل: ماذا يمكن أن نصنع؟ ماذا يمكن أن نطوّر؟ وما المشكلة التي نستطيع أن نحولها إلى فرصة؟

فالاقتصاد الذي يشتري التقنية يظل مستهلكًا لها، أما الاقتصاد الذي يصنعها ويطوّرها ويصدرها، فإنه يمتلك جزءًا من مستقبله. وربما لهذا السبب، فإن القيمة الحقيقية ليست في عدد الخريجين وحده، وإنما في الأثر الذي سيصنعونه بعد التخرج؛ في الشركات التي قد يؤسّسونها، والمنتجات التي قد يطورونها، والحلول التي قد يقدمونها، والوظائف التي قد يستحدثونها، والأسواق التي قد يفتحون أبوابها.

إنها في النهاية معادلة بسيطة: كل مهارة تقنية جديدة هي فرصة اقتصادية محتملة، وكل عقل يتعلم كيف يصنع الحلول يمكن أن يصبح يومًا ما جزءًا من الحلول التي يحتاجها الوطن، ولذلك حين ننظر إلى خريجي أكاديمية طويق، وإلى غيرهم من أبناء وبنات الوطن الذين يتجهون نحو مجالات التقنية المتقدّمة، علينا ألا نراهم كدفعة جديدة من الخريجين فقط، بل كجيل يقف على عتبة اقتصاد مختلف؛ اقتصاد ستكون فيه الفكرة رأس مال، والمعرفة قيمة، والابتكار منافسة، والإنسان أهم بنية تحتية.

ختامًا.. إذا كان النفط قد شكّل جزءًا مهمًا من قصة الاقتصاد السعودي لعقود، فإن قصة المستقبل قد تُكتب بلغة أخرى؛ لغة لا تُستخرج من باطن الأرض، وإنما من عقول أبنائنا وبناتنا، فالمستقبل لا ينتظرنا.. نحن الذين نُعدّ أنفسنا له، وكلما امتلكنا مهارة جديدة، اقتربنا خطوة أخرى من اقتصاد لا يكتفي بأن يكون حاضرًا في المستقبل، بل يشارك في صناعته.