مقال البروفيسور عبدالله الخطيب «الثقافة السعودية العبور إلى المركب» يمثل قراءة تأسيسية عميقة للتحوّل الثقافي السعودي، ويستحق التأمل. استهله بتعريف يربط مفهوم الثقافة في اللغة العربية «بجذر (ثقف) الذي من معانيه الحذق والتقويم والتهذيب. ومن أشهر استعمالاته القديمة: (ثقف الرمح) أي: قوّم اعوجاجه وسوّاه وهيأه لأداء وظيفته. وخاصة قول «هذا المعنى تحيل الثقافة على فعل تدخل واعٍ في مادة موجودة أصلًا». وقد أحسن الدكتور الخطيب عندما ذهب إلى أن الثقافة السعودية اليوم بالفعل تتجاوز الثنائيات الجامدة (أصالة/انفتاح، هوية/عالمية) إلى فضاءات تركيبية أكثر تعقيداً وإنتاجية. للانتقال من «خطاب النفي» إلى «خطاب الإثبات» هو تشخيص دقيق لما حدث. فالماضي كان مشغولاً بتعريف نفسه عبر نفي الآخر (لسنا كذا)، بينما الحاضر يبني ذاته عبر الكشف عن كنوزها الإنسانية والثقافية. هذا التحوّل كان نتاج القرار السياسي الرشيد في تشييد علاقة جديدة مع التدين والتحديث. كما نوه الدكتور عبدالله إلى مخاطر «المحاكاة غير المستوعبة» و«الوعي المستعار». لأن التجربة السعودية ليست استيراداً ثقافياً، بل هي جهد حقيقي يهدف إلى إعادة بناء من الداخل، وهذا يتطلب يقظة نقدية دائمة.
أجاد الدكتور الخطيب عندما أوضح أن الثقافة السعودية المزدهرة اليوم هي ثمرة لقاء منظومة قيم ما قبل الإسلام (الأخلاقية والإنسانوية) التي أتى ليتممها الدين كما أشار النبي الكريم (عليه الصلاة والسلام) والقيم التي تضمنها القرآن. الفعل الثقافي السعودي الذي تخاطب به العالم هو هذا الامتداد التاريخي، وفي الوقت نفسه هو حالة انغماس الإنسان السعودي الرائعة في عصره وظروف إنتاجه وتأويلاته الإنسانية والتقنية. إن التمازج مع العصر بفاعلية يعني تبني الاعتراف الثقافي المتبادل، كما يعني الانتقال من موقع النفي إلى موقع الإثبات. ولطالما أرهقت الثقافة السعودية نفسها خلال فترة الانكفاء الثقافي في ممارسة النفي وآلياته.
إن سمة العصر الذي سبق البعثة المحمدية، فيه ظلم للتاريخ المشرق القديم والحضارات القديمة التي قامت في أرجاء الجزيرة العربية والممالك والإمارات التي سادت في ذلك الوقت.
المقال ليس مجرد وصف للتحول الثقافي، بل هو إسهام في تأطيره نظرياً. وقد نجح في تقديم رؤية تركيبية تتجاوز الاحتفائية المجردة أو النقد المتشائم. ووضع إصبعه على المفارقة الجوهرية: كيف يكون الانفتاح من دون ذوبان، والتحديث من دون قطيعة، والعالمية من دون فقدان الخصوصية. وهذا بالضبط هو التحدي الأكبر الذي يواجه أي نهضة ثقافية معاصرة في منطقتنا.
لم يفت على الكاتب توضيح أهمية النقد كوسيلة يساهم في وتيرة تحول وتطور الفعل الثقافي السعودي المتسارعة، مما يجعل الحاجة ملحّة ليقظة نقدية تساير وتنغمس في قراءة وتفكيك آليات ومآلات الفعل الثقافي السعودي الراهن. نقد وانتقاد سيرورة ما يحدث على مستوى الفعل الثقافي السعودي يشكل أعلى درجات التضامن معه؛ إذ «لا تضامن من دون نقد» كما يرى- إدوارد سعيد.
إنني أتفق مع الدكتور الخطيب في تشخيصه الدقيق الذي قدمه للحظة الثقافية السعودية الراهنة، متجاوزاً السجال العقيم بين «الأصالة» و«المعاصرة». التركيز على مفهوم «الاستنبات» بدل «التقويم» وهو ما يُحدث نقلة نوعية: فالثقافة لم تعد مجرد تصحيح لأخطاء، بل إنباتٌ لوعي جديد من تربة التاريخ ذاتها.
«بهذا المعنى، يُشكّل المقال قراءةً في ‹أنثروبولوجيا القرار الثقافي› السعودي، حيث لم يعد الفعل الثقافي ردّة فعلٍ على الآخر، بل لحظةَ بناءٍ سياديٍ للذات. هذه اللحظة تستلزم استمرار النقد الذاتي كشرطٍ أصيلٍ لصحتها، لا كترفٍ أكاديمي. فكما أن ‹ثقف الرمح› كان تقويماً لغرضِ الرمي، فإن ثقافة اليوم يجب أن تُقوّم نفسها باستمرار، ليس خوفاً من الانكسار، بل طموحاً إلى إصابة هدفها الأسمى: إنسانٌ ينتمي إلى تراثه دون أن يسجن فيه، وينفتح على العالم دون أن يذوب فيه».
في المحصلة، يُقدّم المقال أكثر من تشخيص؛ إنه يُقدّم إطاراً للتعامل مع لحظتنا الثقافية من دون هلع أو غرور. فالانتقال من «تقويم الرمح» إلى «استنبات الأرض» ليس مجرّد استعارة بلاغية، بل هو تحوّل في الوعي بالذات: من ثقافة الدفاع إلى ثقافة الإنتاج. غير أن هذا المسار الطموح، كما لا يخفى على الدكتور الخطيب، يظلّ رهيناً بقدرتنا على امتلاك نقدٍ عضويٍّ يواكبه، لا ينحاز إلى الماضي بحنين، ولا يُذهل بالمستقبل باستعارة. ويبقى السؤال المفتوح: هل سيكون هذا النقد حاضراً في صميم الممارسة، أم سيظل هامشياً كما كان في فترات التحوّل السابقة؟