ما أسعفت الظروف (أبو عقيربان) ليغتني ويجمع من المال ما يسد عوزه ويحميه من شماتة جماعته به. جاود به عمّه في بيوت مكة وهو في مطلع مراهقته؛ وانتبهت له (كهلة الحضران)؛ فتيقنتْ أن (أبو عقيربان) اسم على مسمّى، فاختلتْ به وقالت؛ ما عاد لك نومة تحت الدرج، بس خليك في الدهليز قريب مني تزبّط لي شيشتي وتهفّ عليّه بالمروحة؛ ارتجفت عظامه، وتعالى صوتُ الغريزة؛ وظل يردد؛ أبشري، أدخلته دهليزها فكانت قفلة باب الرزق.
تعمّد (أبو عقيربان) أن يوهم مرته (مربوشة) وعياله (مدعوج الأعيان) و(منشّة الذبّان) أنه لقي له غلّه تسد فازع بيشه ليحفظ كرامته قدامهم؛ وصار يهبط الأسواق؛ يتسبّب في حراج وإلا سمسرة، وكلما عاد للبيت؛ ينبّش ويخرفش؛ وإن شافهم مقبلين عليه من مسراح أو مراح؛ يصك شنطته الحديد؛ ويعيدها إلى الحدّة؛ وكلما تأمل جدران العالية؛ يصمم على خلبها، ومرته تتساءل؛ تخلبها وهي ما بعد أمداها تنوض؛ وهو يردد مثلاً يشوفه أقدس ما ترك له أسلافه (السُّبله المصلوخة يطمع فيها الذيب).
شِرقْ (أبو عقيربان) وهو يشرب لبناً من بقرته جاره المشعوِذ؛ وكانت آخر شربة والشرقة اللي توَته؛ حِزنتْ عليه (مربوشة) وفي داخلها أمل أنه خذ الفقر معه في كفنه؛ وكلها ثقة بأن الله سيغنيها بعدما خلّصها من (قطّاع الساقة) وفي النفس تطلعات إن كان الله هدى ورعانها؛ فهي ما شبعت من الدنيا؛ ومدر ركيبها ما ينحرث من الظمأ وهي طامعة في بغرة؛ تعيد لوجهها صباحته؛ وكثيراً ما تشتغل وهي تقصّد (الله يسقيك يا جرف أم الأيتام بالسيل).
خرجت بعدما انتهت من حدادها؛ تصيح في أخوها (مربّش) ألحقني ياخه؛ فزع من صياحها، وكان يتشرّب في السفل استعداد لصلاة الجمعة؛ فشَرَطْ برطمه الأسفل بالموس، وهو يحلق سال دمه وقام يدور رمادة يضمّد جرحه؛ وخرج متسائلاً وهو متبازي وعمامته في حقوه؛ وشبك يا شعوَة اللي لا يعفي عنك! فقالت؛ ألحق مغزولنا أجهى البيت؛ وقلّع خشب الرصّ؛ وفكك حتى الرادي اللي يسلّيني؛ وبيتنا مخشّف من طافي الشِّرة الله لا يسامحه؛ فتساءل؛ وش يدوّر له صاح الله عليك وعليه؟ أجابت؛ يدوّر غلّة أبوه الله يرحمه؛ علّق؛ الله لا يرحمكم ولا يرحمه؛ صحنا من (أبو عقيربان) وجا له ولد.
سمع جارهم (المشعوذ) الغَلَبة؛ فمدّ رأسه من الخَلْف، شافها تقطف ريحان من التنكة عشان تغرّز عقال أخوها، فتنحنح ليلفت انتباهها فغلبته مؤخرته، وثار مدفعها، علّق؛ كُلّها من سامطة الفراش ما خلت الدجر ينجح؛ فانفرطت تضحك؛ استثمر الموقف، وقال؛ إن طعتِ شوري خليه لأم السكون؛ وبيتك والله عند اللي يعرف قدرك ويروي عِرقك، ومرقدك فوق ذا الصدر اللي كما البحر، ومعنزك على ركبتي، خليه يدوّر غلّة الصفاق اللفّاق ما معه إلا صكّة الركبة.
جفف أخوها جسمه؛ ودهن جروحه بالتنتريون؛ وأقبل عليهم منفعلاً؛ انتي وسفانك الفالتين من يوم قضم (أبو عقيربان) رباطه؛ ضميتكم تحت جناحي؛ وهم بعد كما السارحة اللي هبدها المطر لين هطّلت بروسها؛ ولو كان ماهب آنا أفيّا عليك وعليهم، كان قد أكلكم القمل. وأضاف (إن قلن يا الله في مطر تنفّخوا البدو، وإن قلنا يالله في صحا ضاقوا بني مهمّد)، الله يسويها من عنده ما يسويها إلا هو، واستحب (منشّة الذُّبان) باذنه؛ ونشده؛ وش تنقب عنه يا بو نقّبه، نقّبتك الحدادي؛ ودَبَر الوادي، ما تجي في نصّ أخوك (مدعوج الأعيان) اللي ما يفتون الجماعة به الذِكر؛ ردّ عليه؛ قطع الله ايدك يا خال، أبغي أنُتُج سواة الرجاجيل، ردّ بضيقة؛ إن نتجت لا عاد تركب حمارتكم أركب... علّق (منشّة الذبان)؛ مجار يا خال، أضاف؛ إلا وأنا حمارة؛ اعرف الرجاجيل يا ولدي اللي نُدّانك قد نتجوا وانته تدوّر غلّة واحد ما كان معه؛ إلا ربه وقامته وعلى الله سلامته، عوّد من مكة؛ واستلم أبو جرّة كما جرّة الثوعي؛ يدلى للنسوان روس الأبيار ويتفدى بطونهن؛ نافدا بطنك نافدا بطنك.
أوجعته الشماتة بأبيه فعصب العمامة على رأسه؛ وقام يتهدّد خاله ويقول برّعتك هذي الهبلاء علينا، وش نتلهّم منك من محاقر، وندري ما تحارف على آبي إلا أنت، وجارنا المشعوذ منسبة الفيران، ما كنتم تشبعون إلا في بيتنا لكن وين تغدون من ربي؟ قال الخال؛ هذا وجهي لاخلّي جنّك تسلم، وإلا تشخ عنزكم على لحية خالك، هجم عليه هجمة البعير ونيّبه في كتفه؛ وفتر عمره؛ وانطلق لسانه يستفزع بامه؛ وهي تحاول تفارع ولسانها يلهج؛ (منين ألقاها يا ربي؛ يا بيتنا لا دخلك شامت) ومنسبة الفيران؛ يتفرج عليهم ويشجع الخال؛ زده زده أبو عضاريط.