- للمجالس العامة حرمتها وخصوصيتها وآدابها، وكذلك المحاضرات والندوات ينطبق عليها الأمر نفسه، لكن للأسف امتهن البعض حضور هذه المناسبات للظهور ولفت الأنظار على حساب الآخرين.
- ما هي ثقافة المجالس والمحاضرات؟ إنه موضوع طويل ومتشعب، تتلخص جوهرته في أن تحترم نفسك وتقدّرها. وكيف يكون ذلك؟ يكون بالالتزام بالآداب العامة، ومعرفة مقامك وحجمك في المجلس، وألا تتحدث لمجرد إحداث الصوت، والالتزام بأسلوب الجلوس الصحيح، والابتعاد عن الأحاديث الجانبية إذا كانت هناك شخصية اعتبارية، أو أثناء إلقاء محاضرة أو ندوة.
- للأسف، تجد بعض الحاضرين في المجالس والندوات والمحاضرات يتحدث بمحاولة لسرقة الأضواء من المحاضر، وكأن المحاضرة أو الندوة أُقيمت لأجله. والبعض الآخر يتوهم أنه على قدر عالٍ من الثقافة، فيصر على إبداء رأيه والتحدث فيما لا يعلم، محاولاً تصحيح المفاهيم من وجهة نظره التي يراها وحدها الصحيحة.
- تتجلى ظاهرة سرقة الأضواء في محاولة بعض المشاركين تحويل مسار النقاش نحو ذواتهم، أو احتكار الحديث لفترات طويلة دون تقديم قيمة مضافة. يتخذ هذا السلوك أشكالاً متعددة؛ كالمداخلات المتشعبة التي تخرج عن المحور الرئيس، أو استخدام لغة استعراضية الهدف منها لفت الانتباه وتهميش باقي الحضور. لا يقتصر الأثر السلبي لهذا التصرف على هدر وقت الندوة، بل يمتد إلى إحباط المشاركين الأكفاء وتشتيت ذهن الجمهور الذي يحضر للاستفادة من موضوع اللقاء لا من الشخوص.
- وهناك من يصادر كراسي الصفوف الأمامية في المجالس والندوات، معتقداً أنه أحق بها من غيره رغم أنها ليست مكانه وتكون مخصصة أو مكتوباً عليها «محجوز»، وعندما يُطلب منه إفساح المجال لصاحب المقعد يرفض حاسماً: «أنا أحق منه!».
- إن أمثال هؤلاء لا يعرفون موقعهم الحقيقي في المجتمع، فيتخيل أحدهم أنه من خيار القوم، ويصر على وضع نفسه في منصة لا يستحقها، رغم أن المجتمع لم يضعه فيها بل هو من فرض نفسه عليها. اعرف حجمك وموقعك الصحيح حتى لا تكون عرضة للسخرية بين الناس.
- إن الحفاظ على وقار الندوات والمجالس يقتضي ترسيخ ثقافة احترام المساحة المشتركة، وإدراك أن قيمة المتحدث لا تُقاس بحجم المساحة التي يحتكرها، بل بعمق الطرح ومدى احترامه لعقول الحضور ومكانة زملائه.
- إن معرفة الإنسان لمكانه الحقيقي ليست دعوة للتقليل من الذات، ولا كسراً للطموح، بل هي أولى خطوات النضج والوعي. إنها القدرة على إجراء مصالحة صادقة بين ما تملكه من إمكانيات فعلية، وبين الموقع الذي تقف فيه اليوم، والهدف الذي تسعى للوصول إليه غداً.
- ختاماً، هذا السلوك لا ينطبق على الكثرة، بل يقتصر على فئة قليلة جداً أصابها داء العظمة والنرجسية، وهو داءٌ لا علاج له سوى مراجعة أهل الاختصاص في الصحة النفسية، إذ تُعد الاضطرابات النفسية من أصعب الحالات؛ لأن صاحبها في الغالب لا يعترف بإصابته بها.
ومضة:
- الأمير بدر بن عبدالمحسن (الله يرحمه) يقول: اعرف وينك، لا تضيع ولحد يحطك في مكان منت فيه أو أقل، اعرف مكانك صح.. إذا ما عرفت مكانك لن نستطيع أن تتقدم.