البعض يصل إلى مرحلة العدمية من خلال الاكتئاب، وكثير من الناس تدمروا خلال سنوات ممتدة، قابضين على ذلك الشعور المقيت (الاكتئاب)، ومهما كان العقل فذاً أو فتياً يقوم الاكتئاب بقضم عنفوانه، وهناك حالات عديدة وصلت إلى مصب الانتحار، أو الجلطات الدماغية، أو إلى مسبب هالك يُنهي حياة ذلك المكتئب.

كنت قد قرأت كتاب «هكذا تكلم زرادشت» للفيلسوف نيتشه، ذلك الكتاب الملهم في لغته وفكرته، متماشياً مع فكرة الكتاب كحالة سردية يتم حشو تلك الحكايات بآراء، وفلسفة نيتشه عبر سردية زرادشت الحكيم الهابط من الجبل، تاركاً محرابه الذي مكث فيه سنوات طوالاً متأملاً الحياة وما فيها من أناس وحيوات، ويصادف القسيس الذي شاهده في صعوده إلى الجبل، فيتذكره، ويدور بينهما حوار «كل جملة تعد بعثاً لحالة فلسفية يتم تعميقها خلال بقية السرد». في ذلك الحوار يُظهر زرادشت سبب انتقاله من محرابه لإخبار الناس عن الإنسان الأعلى، ويواصل عودته من أجل الالتقاء بالناس، فيصادف مروره بحفل عظيم أقيم لمهرج ينتقل عبر حبل دقيق نُصب بين قمتين عاليتين، يعبر المهرج على ذلك الحبل، ويتوازن بعارضة خشبية لعبور طرفي الحبل، وبينما كان الناس في انتظار المهرج، يبدأ زرادشت في نثر حكمه، ورؤيته الفلسفية لإيجاد الإنسان الأعلى والأمثل، فيلقي فلاسفته على تجمع الناس فلسفته (الجمل - الأسد - الطفل)، وفي كل حالة يبث حكماً ورؤى تحقق وجود الإنسان الأمثل، كل كلماته ظن الناس أنها ضمن الحفل ومقدمة لظهور المهرج، الذي حين بدأ السير على الحبل سقط ميتاً بجوار أقدام زرادشت، وينفض الناس من المكان، فيدور حوار عميق بين الجثة وزرادشت، ومع الجوع يتحرك الحي لملء بطنه من خلال نوار يتبدى وهناك يدور حوار فلسفي عميق، ينتهي بمأساة حي يحمل ميتاً ويدور به الأصقاع، ينتهي بدفنه في جذع شجرة.

ويعد هذا الكتاب أهم كتب نيتشه، قال فيه فلسفته عن الإنسان الأعلى.. هذا الفيلسوف الكبير عاش في مصائب وأمراض قادته إلى مستشفى الأمراض النفسية، ظل يتنقل بين المستشفيات يحمل كآبته، وعمى عينيه، وافتراقه عن الناس، بجلطات دماغية متكررة، وكان تشخيص وفاته الاكتئاب المزمن.

لم أتناول جوهر الفلسفة عند نيتشه، وإنما طرف من سردية كتاب «هكذا تكلم زرادشت»، فهي فلسفة تستوجب قراءتها على تمهل، قراءة لمن امتلك نصيباً من المعرفة..

كنت أريد البرهنة على أن الاكتئاب مرض، يستوجب معالجته في المستشفيات وكذلك من قبل الأصدقاء الذين يحيطون بالمريض.

أخيراً.. كلنا مرضى نفسيون وبحاجة إلى الأصدقاء قبل أن نصل إلى حالة الاكتئاب المزمن.