كيف تحوّلت الصين من «مصنع رخيص يقلد» إلى «قوة لا يمكن تجاهلها»؟ هذه هي خارطة الطريق التي تستخدمها أي دولة تريد تغيير سمعتها الاقتصادية.
الصين هي أفضل مثال يدرس عن ذلك الأمر في العالم، لأنها عملت عكس ما تفعله معظم الدول.
المرحلة الأولى وكانت بدأت تنتقل فيها من سمعة سيئة إلى مقبولة (1978-2008)، وهو ما يمكن تسميته بإستراتيجية «المصنع».
وكانت المشكلة والتي حدثت في الثمانينات، وهي أن سمعة الصين باتت تساوي منتجات مغشوشة، رخيصة، بلا ثقة.
ماذا فعلت الصين؟
باعت الثقة بالإجبار: لم تقل «ثقوا بنا». قالت للشركات الأجنبية تعالوا ابنوا مصنعكم عندنا، نعطيكم أرضاً مجاناً وعمالة رخيصة وضرائب صفر لمدة 5 سنوات، لكن بشرط تنقلون التكنولوجيا إلينا.
وكان لنايكي، أبل، سامسونج أن دخلت بقوة في السوق الصينية، فلما رأى المستهلك منتج «صنع في الصين» لكن بجودة أمريكية، بدأت الثقة ترتفع تلقائياً.
وربطت الصين عملتها بالدولار لتثبيت اليوان مما كان رسالة قوية للأسواق وضحت فيها أن اقتصادنا مستقر ولن نتلاعب بكم. هذا جذب تريليونات الاستثمار الأجنبي المباشر.
وكان الدرس هو أن الثقة تكتسب ولا تبنى السمعة بالكلام، تبنى بأن تجعل الكبار يضعون استثماراتهم عندك.
المرحلة الثانية كانت الانتقال من سمعة مقبولة إلى قوية (2008-2020)، وهي إستراتيجية «البنية التحتية»
بعد الأزمة المالية، فقد العالم الثقة في أمريكا. واستغلت الصين الفرصة.
وكانت مبادرة الحزام والطريق الصينية، بدلاً من أن تقول الصين «نحن أغنياء»، ذهبت وبنت موانئ في باكستان، قطارات في إثيوبيا، جسور في صربيا. وكانت رسالتها: نحن نبني، الغرب يعطي محاضرات. هذا خلق سمعة «الدولة التي تنجز» لها.
وكونت الصين احتياطياً دولارياً ضخماً وصل لـ3.2 تريليون دولار. وهذا مثل كشف حساب بنكي تقول فيه للعالم لن نفلس.
أوجدت شركات وطنية عملاقة، فدعمت هواوي، علي بابا، بي واي دي لتكون واجهات عالمية. عندما ترى سيارة بي واي دي تنافس تسلا، سمعة «صنع في الصين» تتغيّر في عقلك.
المرحلة الثالثة الانتقال من سمعة قوية إلى سمعة لا غنى عنها (2020-الآن)، وهي إستراتيجية «الاحتكار الذكي».
اليوم الصين لا تحاول أن تكون محبوبة، ولكنها تحاول أن تكون «دولة لا يمكن الاستغناء عنها».
وبهدوء وإصرار تمكّنت من احتكار سلاسل الإمداد الحسّاسة، تسيطر على 80% من البطاريات، 70% من الألواح الشمسية، 60% من معالجة المعادن النادرة. وكانت رسالتها للسوق هي أنك يمكنك أن تكرهني، لكن لا يمكنك أن تعمل بدوني. هذه هي أعلى درجات الثقة الاقتصادية «ثقة الاضطرار».
واستطاعت الصين أن تغيّر من قواعد اللعبة وذلك بدلاً من الالتزام بمعايير الغرب، بدأت تضع معاييرها. نظام الدفع كيبس بديلاً عن سويفت، عملة رقمية لليوان، بورصة شنغهاي للنفط باليوان. وهي لا تطلب دخول نادي الثقة، هي تبني نادياً جديداً تماماً. ونجحت أكثر من مرة في إدارة الأزمة بصرامة، فعندما انهارت شركات عقارية مثل ايفرجراند، الحكومة لم تنقذها فوراً لتظهر أنها لن تتسامح مع الفوضى. وكان ذلك ألماً قصير المدى، لكنه يبني سمعة طويلة المدى بأن السوق ستنظف وسيتم إصلاحها.
الخلاصة: معادلة بناء الثقة الاقتصادية للدول
أي دولة، تريد تغيير سمعتها، تحتاج إلى أربع ركائز:
1- ثبات التشريع (لا يتم تغيير القوانين كل سنة) فالمستثمر يخاف من المفاجآت أكثر من الضرائب. والصين حافظت على نفس سياسة المناطق الحرة لمدة 40 سنة.
2- مشروع أيقوني يراه العالم: الصين فعلتها مع أولمبياد 2008 وقطار شنغهاي السريع.
3- واجهة تصديرية يحبها الناس: الناس لا تثق في حكومات، تثق في منتجات. كوريا الجنوبية فعلتها بسامسونج وبي تي اس وكيا. والصين تفعلها الآن بتيك توك وشي إن وبي واي دي.
4- احتياطي أمان: صندوق سيادي ضخم مع احتياطي ذهب مع فائض ميزانية. الثقة في النهاية هي سؤال: هل عندك فائض نقدي تدعم به ما تقول؟
الصين نجحت لأنها فهمت قاعدة نفسية وهي أن الأسواق لا تثق في من يقول «أنا صادق»، بل تثق في من يجعل تكلفة الكذب عليه عالية جداً.
تحول الصين وتغيير سمعتها من نقيض سلبي إلى نقيض إيجابي في زمن قياسي حالة تستحق الدراسة، بالإضافة إلى الثناء والتقدير والإعجاب الذي مكنها من كسب ثقة غالية لدى المستهلك عالمياً وجعلها تتبوأ الصدارة في مواقع غير قليلة.