«إذا فكّرت كثيرًا في المفقود فقدت كثيرًا من الموجود؛ لأنّك انتقلت من عالم الاستمتاع بما في يديك إلى عالم التّفكير بما ليس لديك.. فاستمتع بما تملك».
كأنّ من أرسلها على هاتفي كان ساعتها جالساً على بوابة قلبي، يقلّب صفحاته.. ويدرك مكمن الأسى فيه، كأنّني ما سمعت بها من قبل..
كأنّها شيء جديد أُجرّب الصّعود في معارجه، وأذهب في مسالكه تدبّرًا وتأمّلًا واستقراءً بصيرًا..
كأنّها كانت بين يديّ فأزاحت اللحظة عنها غطاء الغفلة، فبانت لي «حكمة»، أيقظتني من شرود ومكابدة ونكد طويل مديد.
لا شيء فيها خارج عن سياق ما عبر أذني من جُفل المواعظ الملقاة بلا روح في دروب حياتي.. وأنت لا تدري لِمَ لَمْ تثبت المواعظ في قلبك إلّا قليلًا
رغم أنّ صوت زواجر الخطباء من خوادع الدنيا يطاردك أينما يمّمت، يخفت ويعلو، يشتدّ ويرتخي، تطيعه حينًا بدافع ندم عابر، لكن الحياة تناديك، والأمل فسيح، فيتوارى صوتهم، كأنّه لم يعبر بقلبك، كأنّهم لم يقولوا شيئًا، هل كان صوتهم من «لسان» لم يباشر بشاشة القلب فبقي في الآذان؟!
لكنك كعهدك تدخل على الخطيب بنصف منك غارق في زحام الحياة، ونصف يحاوره في «صمت ثرثار»، ينكر ويمالي.. فلا تخرج من مكرور الخُطب إلا بمزيد الحيرة والقلق..
والعمر يمضي.. والبروق خلّب، وكأنّ ما بين يديك هباء، وما أحرزته مطفف ميزان في مرآة العين وهي تقلّب طرفها يمينًا وشمالًا، تبحث عن «غائب» يسعدها، ومنتظر يسعدها، في سوح «زائل» لا محالة، فأيّ غفلة هذي؟!
وأنت ما تستطيع أن تكبح جماح ما يتلامع لك في أفق الخاطر بوصفًا «نعيمًا» لم تدركه واقعًا، فحصدته وهمًا بمنجل الأسف المتلاف، و«ممكنًا» فوّته بالغفلة فأورثك ندمًا ناحرًا.. قلق لا يحملك على استقرار، واضطراب يذهب بك كل مذهب في الحياة..
أوقفك ابن رومي حيث وقف، بكلّ حمولة الأسى التي مرّ بها في حياته، وأخذك العجب منه كلّ مأخذ، وأنت ترى صورته في نسج العميد طه حسين عنه بالقول
«نحن نعلم أنّه كان سيئ الحظ في حياته، ولم يكن محبّبًا إلى النّاس، وإنّما كان مبغضًا إليهم، وكان مُحسدًا أيضًا، ولم يكن أمره مقصورًا على سوء حظّه، بل ربّما كان سوء طبيعته، فقد كان حاد المزاج، مضطربه، معتلَّ الطّبع، ضعيف الأعصاب، حادَّ الحسِّ جدًّا، يكاد يبلغ من ذلك الإسراف».
وكأنّه من ذلك النول قد نسج لك خلاصة أمر «الدنيا»، وقدّمها لك واخزة ومبرقة:
طُبِعَت عَلى كدرٍ وَأَنتَ تُريدُها
صَفوًا مِنَ الأَقذاءِ وَالأَكدارِ
وَمُكَلِّفُ الأَيَّامِ ضِدَّ طِبَاعِهَا
مُتَطَلِّبٌ فِي المَاءِ جَذْوَةَ نَارِ
ألا ما أكثر ما طلبتُ «جذوة النّار» من مياه كثيرة مرّت على جسر حياتي، أحسّها «فرصًا» ضاعت، فيردني صوت الضمير الحي.
ليس ثمة فرص ضائعة، فما كان لما فاتك أن يصيبك، وما كان لما أصابك أن يخطئك، فتستقرّ نفسك لحظات، لكنّها تعود إلى فورانها في دوائر النّدم الماحق، والأسف الهالك، ويمرّ عليك الحكيم المتنبي ملوّحًا بذات تلويحة ابن الرومي، كأنّ ماء البئر نفسه، ولكن الدّلو مختلف:
صَحِبَ الناسُ قَبلَنا ذا الزَمانا
وَعَناهُم مِن شَأنِهِ ما عَنانا
وَتَوَلَّوا بِغُصَّةٍ كُلُّهُم مِنـهُ
وَإِن سَرَّ بَعضُهُم أَحيانا
رُبَّما تُحسِنُ الصَنيعَ لَياليـهِ
وَلَكِن تُكَدِّرُ الإِحسانا
هل بقي من العمر ما يكفي لطموح لم تبلغ غاياته، وحاجة من عاش لا تنقضي؟
هل ثمة زاجر يحبس صوت النّدم على ما فات، ويطمئن القلب بالرضا على ما احترز ونال، بقبول لا تشينه نوازع الموجدة على ما ضاع؟ هل عناك الطيب صالح، في روايته «ضو البيت / بندرشاه»، بالقول: كانت ساقاه تحسّان بوطأة السنين الخمسين أو الستين، ولكنّ خياله كان خيال طفل دون العاشرة.
اللّيل بهيم، وشجيرات السيّال الجاثمات كنسوة في مأتم، ولمع الأضواء الموهومة في تلك الحلكة، وصوت الحياة الضّعيف في كلّ ذلك العدم. وفجأة، ذلك النّداء، وسط الظلام
«يا محيميد»
نداء قريب منه، كحبل الوريد.
وقال محيميد: «نعم»
نداء واضح مألوف يقول له «يا محيميد تعال».
هشّ له وقال «نعم»، ولم يخطر له أنّ ذلك أمر مستحيل، فقد كان النّداء هو الظّلام أو البرق الذي يلمع في جوف الظّلام، ولم يكن له من بدٍّ إلا أن يسير وراءه يقتفي أثره.
نعم.. نعم؛ «لن يخرج المرء عن أرض له وسماء»، لن يكفّ القلب عن الطراد، لن تهدأ مروحة الندم، لن يسكت صوت الحسرة، والعمر مضى أو كاد.
ليت العبارة جاءت باكرًا، ليت القلب وعى أنه «إذا فكّرت كثيرًا في المفقود فقدت كثيرًا من الموجود؛ لأنّك انتقلت من عالم الاستمتاع بما في يديك إلى عالم التّفكير بما ليس لديك».