تقترب المواجهة المفتوحة بين واشنطن وطهران من إكمال شهرها السادس، لتتجاوز النمط التقليدي للضربات العسكرية وتتحوّل إلى صراع استنزاف طويل الأنفاس، يمثل «السلاح الاقتصادي» أبرز أدواته. فحملة الضغوط القصوى التي تقودها إدارة الرئيس دونالد ترمب والتي وصفها وزير الخزانة سكوت بيسنت بأنها محاولة لفرض «أعظم عزلة اقتصادية منسقة في التاريخ»، لا تعتمد على إضافة قيود جديدة إلى سجل عقوبات امتد لعقود، إنما تهدف إلى جعل الاقتصاد الإيراني أقل قدرة على المناورة.

واشنطن تريد أكثر من عقوبات جديدة

إنها نقلة نوعية من سياسة تقليم الأظافر إلى إستراتيجية «تجفيف المحيط»، حيث يمتد العقاب ليطال كل من يتعامل معها أو يشتري نفطها أو ينقل أموالها أو يفتح لها منفذاً تجارياً ومالياً. هذا المستوى من الحصار يضع الاقتصاد الإيراني المثقل أصلاً بأزمات العملة والتضخم وتآكل القدرة الشرائية، أمام مواجهة بقاء غير مسبوقة. ولأن آثار هذه الحرب بدأت تتوغل في المعيشة اليومية للمواطن الإيراني، فإن إقرار رئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف جاء كاشفاً حين حذّر من أن القوة العسكرية وحدها لا تكفي للصمود إذا كان الداخل يعاني من الشح والجوع، في إشارة واضحة إلى أن كلفة الحرب باتت جزءاً من الحسابات السياسية في طهران.

في المقابل، تدرك واشنطن أن معركة إخضاع طهران عبر الاقتصاد تواجه تحديات كبرى. فإيران طورت عبر السنوات شبكات التفاف عابرة للحدود وأساليب مراوغة لتصريف نفطها وتمويل تجارتها. غير أن الإستراتيجية الأمريكية تراهن هذه المرة على سلاح «الوقت»، وعلى توسيع نطاق العقوبات الثانوية ليشمل شركاء تجاريين كباراً، مما يضع إستراتيجيي طهران أمام مأزق حقيقي، خاصة بعد أن بُنيت حساباتهم السياسية على استنزاف إدارة ترمب قبيل الانتخابات التشريعية.

إيران تراهن على كسر العزلة

لكن الرد الإيراني على الحملة الجديدة يكشف أن طهران لا تنوي استقبال العقوبات كأمر واقع. قاليباف وصف التهديدات الأمريكية بأنها «خداع»، وقال إن شركاء إيران التجاريين أبلغوا طهران بأنهم لا يأخذون هذه التهديدات في الاعتبار. وفي الوقت نفسه، أعلنت الخارجية الإيرانية أن أي تصعيد جديد ستكون له عواقب، وأن «أيدي إيران ليست مقيدة».

هذه اللغة لا تعني أن إيران تملك وصفة سحرية لتجاوز العقوبات، لكنها تكشف عن طبيعة الرد الذي قد تلجأ إليه: تحويل المعركة من عقوبات أمريكية على إيران إلى مواجهة أوسع حول من يملك حق التعامل معها. وهنا تصبح الصين وروسيا ودول الجوار جزءاً من المعادلة باعتبارها دولاً لها مصالح اقتصادية لا تريد أن تحددها واشنطن منفردة. وقد سارعت بكين بالفعل إلى رفض العقوبات الأمريكية، معلنة استعدادها لاتخاذ الإجراءات اللازمة لحماية مصالحها.

وهذا بالضبط ما يفتح المرحلة القادمة على حسابات أصعب، حيث سيُقاس نجاح إستراتيجية العزلة الاقتصادية بحجم الامتثال الدولي للعقوبات، وعدد الدول التي تنخرط فيها. ومن هنا يبرز السؤال الأول: ما مدى جدية واشنطن في تحويل هذه الحملة إلى إستراتيجية طويلة الأمد؟ هل نحن أمام حرب نفسية منسقة هدفها رفع كلفة المفاوضة على طهران ودفعها إلى تقديم تنازلات أمام مسار أمريكي جديد لا يعود فيه تخفيف العقوبات مطروحاً إلا بعد تحقيق أهداف سياسية وأمنية أوسع؟

الوقت ليس في مصلحة طرف واحد

المؤشرات الحالية تميل إلى أن واشنطن تريد الاثنين معاً: الضغط إلى أقصى حد مع إبقاء باب التفاوض مفتوحاً. فالعقوبات تمنح ترمب وسيلة لرفع كلفة الانتظار على الإيرانيين، لكنها في الوقت نفسه تترك أمام طهران مخرجاً سياسياً إذا قررت العودة إلى التفاوض بشروط جديدة.

والسؤال الثاني: ما الذي تريد أن تنتزعه واشنطن بهذا الضغط، وما السقف الذي ستتوقف عنده؟ وهنا يدخل عامل الوقت بوصفه طرفاً ثالثاً في المواجهة. عشرة أسابيع تقريباً تفصل الولايات المتحدة عن انتخابات التجديد النصفي في نوفمبر. وقد تراهن طهران على أن إبقاء الأزمة مفتوحة إلى ذلك الموعد يمكن أن يزيد الكلفة السياسية على ترمب، لكن هذا الرهان يحمل مخاطرة كبيرة. فبعد الانتخابات قد تتغير الحسابات الأمريكية، ويصبح هامش المناورة الإيراني أضيق إذا قررت واشنطن الانتقال من الضغط التدريجي إلى إجراءات أكثر قسوة.

حين يصبح النفط جزءاً من المعركة

أما السؤال الثالث فيتعلق بالحبل المشدود الذي تمسك به واشنطن: إلى أي مدى تستطيع الإدارة الأمريكية الجمع بين خنق الاقتصاد الإيراني والحفاظ على تدفق الطاقة؟ وهل يمكنها فرض عزلة مالية واسعة على طهران دون أن تتحمل في المقابل مخاطر التصعيد في مضيق هرمز وباب المندب؟

هذه ليست مسألة تقنية. فكلما اشتد الخناق الاقتصادي على إيران، ازدادت قيمة الأوراق التي تستطيع استخدامها في الطاقة والملاحة. وفي المقابل، فإن أي تصعيد كبير يهدد حركة النفط قد يرفع الكلفة على الاقتصاد العالمي، ويضع واشنطن أمام معادلة لا تريدها: الضغط على إيران من جهة، ثم الاضطرار إلى إدارة تداعيات هذا الضغط على الأسواق من جهة أخرى. وقد أصبح أمن الملاحة في «هرمز» بالفعل جزءاً من التفاوض الأمريكي الإيراني، في وقت تعمل فيه واشنطن على ضمان عودة حركة الناقلات إلى الممر الحيوي.

ماذا بعد التهديدات؟ هو السؤال الذي يبدأ عنده الجزء الأكثر جدية من المواجهة: هل تنتقل واشنطن إلى تنفيذ العقوبات الثانوية على نطاق واسع، وتنجح في إجبار الصين وغيرها من المشترين الرئيسيين للنفط الإيراني على الانسحاب؟ وهل ترد طهران بمزيد من الضغط على الملاحة والطاقة، أم تستخدم قنوات التفاوض التي ما زالت قائمة لتجنب حرب استنزاف اقتصادية قد تطول أكثر مما تحتمل؟ انها الزاوية التي ستحدد المسار القادم. فإذا نجحت واشنطن في إغلاق منافذ إيران واحداً تلو الآخر، يصبح الاقتصاد أداة لفرض تسوية سياسية، أما إذا نجحت طهران في إبقاء منافذها مفتوحة وتحويل كلفة عزلها إلى كلفة عالمية، فقد تتحوّل «العزلة الاقتصادية» إلى فصل طويل من حرب الاستنزاف، لا إلى الطريق المختصر الذي تبحث عنه واشنطن لإنهاء المواجهة.