«القوباء»، من أكثر العدوى الجلدية البكتيرية انتشاراً في العالم، خصوصاً بين الأطفال، وتوضح تقديرات العبء العالمي للأمراض تسجيل أكثر من 162 مليون إصابة سنوياً، ما يجعلها من الأمراض الجلدية التي تمثل عبئاً صحياً ملحوظاً، خاصة في البيئات الحارة والرطبة والمزدحمة.

وتشير منظمة الصحة العالمية، إلى أن أمراض الجلد المعدية، ومنها القوباء، تمثل جانباً مهماً من العبء الصحي المرتبط بالأمراض الجلدية، وتدعم جهود الدول في الحد من انتشارها من خلال تعزيز النظافة الشخصية، وتحسين التشخيص والعلاج، ورفع الوعي بطرق الوقاية، إلى جانب دعم الأبحاث المتعلقة بمقاومة المضادات الحيوية.

وتظهر الدراسات العالمية، انتشار القوباء بصورة أكبر بين الأطفال، خصوصاً في المناطق التي تعاني من الازدحام أو محدودية الوصول إلى خدمات الرعاية الصحية، فيما أظهرت مراجعات علمية واسعة أن المرض يُسجل معدلات مرتفعة في بعض المجتمعات الريفية والفقيرة.

ويمثل تزايد مقاومة البكتيريا للمضادات الحيوية تحدياً إضافياً في علاج القوباء، ما يؤكد أهمية التشخيص الدقيق، واستخدام المضادات الحيوية وفق وصفة طبية، وتجنّب استخدامها بصورة عشوائية، إلى جانب تطوير خيارات علاجية أكثر فاعلية.

الغياب عن المدرسة

في السعودية، تعمل وزارة الصحة على تعزيز التوعية بالأمراض الجلدية المعدية، ومنها القوباء، من خلال البرامج الصحية والتوعوية، وتشجيع ممارسات النظافة الشخصية، والتشخيص المبكر والعلاج المناسب، بما يسهم في الحد من انتقال العدوى، خصوصاً بين الأطفال.

ولا يقتصر أثر القوباء على الجانب الصحي، بل قد يمتد إلى الحياة اليومية للطفل من خلال الغياب عن المدرسة والتأثير في التفاعل الاجتماعي، ما يجعل الوقاية والتوعية والكشف المبكر مسؤولية مشتركة بين الأسرة والمدرسة والجهات الصحية.

وللوقوف على الأسباب الحقيقية للإصابة بهذا المرض، وطرق الوقاية منه ومكافحته، خصوصاً مع ما أشارت إليه بعض الأبحاث من ارتباط القوباء ببعض المضاعفات والأمراض الأخرى، طرقت «عكاظ»، أبواب عدد من المختصين في طب الجلدية وأمراض الكلى وطب الأسرة، للوقوف على أبرز الأسباب وسبل الوقاية والعلاج.

من لدغة حشرة

استشاري الجلدية والتناسلية الدكتور محمود كومي قال لـ«عكاظ»: إن القوباء عدوى بكتيرية سطحية تصيب الجلد، وتنتج غالباً عن بكتيريا المكورات العنقودية الذهبية أو المكورات العقدية، وتنتشر بشكل أكبر بين الأطفال، لكنها قد تصيب البالغين، تصيب البالغين، ولا سيما الرياضيين، خاصة عند وجود جروح أو خدوش أو أكزيما أو لدغات حشرات.

وأوضح، أن القوباء من الأمراض شديدة العدوى، خصوصاً قبل بدء العلاج وخلال الأيام الأولى منه، إذ تنتقل عبر الملامسة المباشرة للطفح أو السوائل الخارجة من البثور، كما قد تنتقل من خلال مشاركة المناشف والملابس وأغطية السرير والأدوات الشخصية.

وبيّن أن معظم الحالات تكون سطحية وتقتصر على الطبقة الخارجية من الجلد، لكنها قد تنتقل إلى مناطق أخرى من جسم المصاب بسبب لمس الطفح، ونادراً ما تمتد إلى طبقات أعمق أو تسبّب مضاعفات، خاصة لدى ضعيفي المناعة. وأشار إلى أن قدرة المصاب على نقل العدوى تقل عادة بعد 24 إلى 48 ساعة من بدء العلاج المناسب، بينما تستمر العدوى في حال عدم العلاج حتى جفاف القروح والتئامها.

وشدّد الدكتور كومي، على أهمية الوقاية عبر غسل اليدين، وتجنّب حك الطفح، وتغطية الجروح، وعدم مشاركة الأدوات الشخصية، وغسل الملابس والمفروشات جيداً، وقص أظافر الأطفال، مع الالتزام بالعلاج الموصوف. وأكد أن التعرّض للشمس لا يعالج القوباء وقد يزيد تهيج الجلد.

المناشف والملابس والأغطية

أخصائي أول طب أسرة ومشرف فريق في الرعاية الصحية المنزلية الدكتور فارس الغامدي، يرى أن القوباء قد تظهر في منطقة الحفاضات لدى الأطفال، خصوصاً عند وجود تهيج جلدي أو طفح حفاضات يؤدي إلى ضعف حاجز الجلد، ما يسهّل دخول البكتيريا المسبّبة للعدوى، مثل المكورات العنقودية الذهبية أو المكورات العقدية.

وأوضح أن ارتفاع الحرارة ليس من الأعراض المعتادة للقوباء الموضعية، مشيراً إلى أن ظهور الحمى، خصوصاً إذا كانت مرتفعة أو مصحوبة بخمول أو انتشار سريع للطفح، قد يدل على وجود عدوى أكثر شدة مثل التهاب النسيج الخلوي أو القوباء الفقاعية الواسعة، ويحتاج حينها الطفل إلى تقييم طبي عاجل.

وبيّن أن القوباء من أكثر الالتهابات الجلدية البكتيرية المعدية، إذ تنتقل عبر التلامس المباشر مع جلد المصاب، أو ملامسة الأدوات الشخصية الملوثة مثل المناشف والملابس وأغطية الأسرة، كما يمكن أن تنتقل من منطقة مصابة إلى أخرى في جسم الشخص نفسه بسبب الحك أو لمس الجلد. وأشار إلى أن العدوى تكون أعلى قبل بدء العلاج المناسب، وتنخفض بشكل كبير بعد مرور 24 إلى 48 ساعة من بدء المضاد الحيوي أو بعد جفاف الآفات، مع أهمية غسل اليدين وتغطية المناطق المصابة وعدم مشاركة الأدوات الشخصية للحد من انتشارها.

وأشار أخصائي أول طب الأسرة الدكتور الغامدي لـ«عكاظ»: إلى أن تشخيص القوباء يعتمد غالباً على الفحص السريري، ومن أبرز علاماتها ظهور حويصلات أو بثور سطحية تنفجر سريعاً وتترك قشوراً صفراء ذهبية، وهي العلامة الأكثر شيوعاً، وغالباً ما تظهر حول الأنف والفم أو على الأطراف. وأضاف أن الطبيب يحرص على التفريق بينها وبين أمراض جلدية أخرى مشابهة، مثل الهربس البسيط، والأكزيما المصابة، وجدري الماء، والتهاب الجلد التماسي، ولدغات الحشرات، والفطريات الجلدية، موضحاً أن أخذ عينة أو مزرعة لا يكون ضرورياً في الحالات التقليدية، لكنه قد يُطلب عند تكرر الإصابة أو عدم الاستجابة للعلاج أو الاشتباه بوجود بكتيريا مقاومة للمضادات الحيوية.

لا توقف المضاد

أخصائي أول طب الأسرة الدكتور الغامدي، أوضح أن أعراض القوباء متشابهة بين الأطفال والبالغين، إلا أن الأطفال، خصوصاً بين عمر سنتين وخمس سنوات، هم الأكثر عرضة للإصابة، بينما ترتبط لدى البالغين غالباً بوجود جروح أو أكزيما أو السكري أو ضعف المناعة أو الحلاقة. كما لفت إلى أن القوباء الفقاعية تكون أكثر شيوعاً لدى الرضع وصغار الأطفال.

وأكد أن بعض الحالات البسيطة من القوباء قد تختفي تلقائياً خلال أسبوعين إلى ثلاثة أسابيع، إلا أن تركها دون علاج لا يُنصح به، إذ يساعد العلاج على تقليل مدة المرض والحد من انتشار العدوى وتقليل احتمالية حدوث المضاعفات، مثل التهاب النسيج الخلوي، ونادراً التهاب كبيبات الكلى التالي للعدوى العقدية، لذلك يحدد الطبيب العلاج المناسب سواء بالمضادات الموضعية أو الفموية حسب شدة الحالة. وحذّر من بعض الأخطاء الشائعة عند التعامل مع القوباء، ومنها حك المناطق المصابة، مما يؤدي إلى انتشار العدوى، ومشاركة المناشف والملابس، وإيقاف المضاد الحيوي قبل إكمال المدة المحددة، أو استخدام كريمات الكورتيزون وحدها على الإصابة البكتيرية، إضافة إلى العودة للمدرسة أو العمل قبل انخفاض احتمالية نقل العدوى.

الاحتكاك المباشر

استشاري الجلدية والتناسلية الدكتور كومي أضاف، أن العودة للرياضة تعتمد على حالة المصاب، مع تجنّب الأنشطة التي تتطلب احتكاكاً مباشراً حتى مرور 24 إلى 48 ساعة على بدء العلاج وتحسّن الحالة، كما يُفضل تجنّب السباحة حتى جفاف الآفات الجلدية أو تغطيتها بشكل مناسب. وأشار إلى أن انتشار القوباء بين الأطفال يرتبط بكثرة الاحتكاك في المدارس ودور الحضانة ومشاركة الأدوات، إضافة إلى كثرة الخدوش ولدغات الحشرات، بينما ترتبط لدى البالغين بعوامل مثل الأكزيما والسكري وضعف المناعة.

وأكد أن غالبية الحالات تشفى دون مضاعفات عند اكتشافها وعلاجها مبكراً، إلا أن إهمالها قد يؤدي إلى انتشار العدوى أو حدوث التهابات أعمق، وفي حالات نادرة قد تسبّب مضاعفات مثل التهاب كبيبات الكلى التالي لبعض العدوى العقدية.

ودعا الدكتور كومي، إلى مراجعة الطبيب عند ظهور الحمى أو القشعريرة، أو سرعة انتشار الاحمرار والتورم، أو زيادة الألم، أو خروج كميات كبيرة من القيح، أو إصابة المنطقة المحيطة بالعين، أو عدم تحسن الحالة بعد يومين إلى ثلاثة أيام من بدء العلاج، مؤكداً أن التشخيص المبكر والعلاج المناسب يحققان شفاءً ممتازاً وتبقى المضاعفات محدودة.

راجع الطبيب فوراً

وشدّد أخصائي أول طب الأسرة الدكتور الغامدي، على أن استخدام المضادات الحيوية بشكل عشوائي قد يؤدي إلى زيادة مقاومة البكتيريا للعلاج، خصوصاً مع الإفراط في استخدام المضادات الموضعية، مؤكداً أهمية استخدامها عند الحاجة فقط، واختيار العلاج المناسب وفق شدة الحالة، والالتزام بالمدة العلاجية المحددة، ضمن مبادئ الاستخدام الرشيد للمضادات الحيوية.

ولفت الدكتور الغامدي، إلى أن القوباء تزداد في بعض المواسم، خصوصاً خلال الأجواء الحارة والرطبة، كما تنتشر أكثر في البيئات المزدحمة مثل المدارس والحضانات، وتزداد احتمالية الإصابة لدى الأطفال ومرضى الأكزيما والسكري وضعف المناعة. وأشار إلى أن بعض الحالات تستدعي إحالة المريض إلى طبيب الجلدية، ومنها تكرر الإصابة، أو القوباء الفقاعية، خصوصاً لدى الأطفال أقل من عام، أو عدم الاستجابة للعلاج، أو الاشتباه بمقاومة المضادات الحيوية، أو وجود حمى وانتشار واسع للعدوى أو علامات مرضية عامة. كما أكد أن الحالات المصحوبة بعلامات عدوى شديدة أو التهاب في النسيج الخلوي تحتاج إلى إحالة عاجلة للمستشفى.

الرياضيون في الصدارة

استشاري أمراض الكلى بمستشفى الملك عبدالعزيز بجدة الدكتور عبدالمعتني السلمي، حذّر من أن إهمال علاج القوباء وقال لـ«عكاظ»: قد يؤدي إلى الإصابة بالتهاب كبيبات الكلى الحاد، وهي مضاعفة قد تظهر بعد نحو أسبوعين من العدوى الجلدية، خصوصاً لدى الأطفال.

وأوضح الدكتور السلمي، أن القوباء عدوى جلدية بكتيرية تصيب الأطفال بشكل رئيسي، كما قد تصيب البالغين، ولا سيما الرياضيين، وتنتقل بالمخالطة المباشرة أو عبر الأسطح الملوثة، وتسبّبها بكتيريا المكورات العنقودية أو المكورات العقدية. وتبدأ الإصابة بظهور تقرحات حمراء غالباً حول الأنف أو الفم أو العنق، تتحول سريعاً إلى بثور تتكون عليها قشور صفراء تشبه لون العسل.

وبيّن الدكتور السلمي، أن التهاب كبيبات الكلى لا يحدث بسبب وصول البكتيريا إلى الكلى، وإنما نتيجة استجابة مناعية للجسم؛ إذ تُنتج أجساماً مضادة لمحاربة العدوى، ثم تترسب داخل كبيبات الكلى، وهي المرشحات الدقيقة المسؤولة عن تنقية الدم، ما يؤدي إلى التهابها وتأثر وظائفها.

وأشار إلى أن أبرز الأعراض التي تستدعي الانتباه تشمل تغير لون البول إلى البني أو الأحمر، وتورم الوجه، خاصة حول العينين، وانتفاخ القدمين والكاحلين، وانخفاض كمية البول، إضافة إلى الإرهاق وفقدان الشهية.

وأضاف أن الأطفال، خاصة بين 5 و12 عاماً، هم الأكثر عرضة للإصابة بهذه المضاعفات عند تأخر العلاج، إلى جانب كبار السن، ومرضى السكري، والمصابين بضعف المناعة أو الأمراض الجلدية المزمنة مثل الإكزيما والصدفية، ومرضى الحروق.

وأكد استشاري أمراض الكلى بمستشفى الملك عبدالعزيز بجدة الدكتور السلمي، أن معظم الأطفال يتعافون دون مضاعفات دائمة إذا تلقوا العلاج المناسب، في حين قد يخلّف الالتهاب أثراً طفيفاً في وظائف الكلى لدى بعض البالغين، بينما تزداد احتمالية حدوث ضرر دائم لدى كبار السن، خصوصاً المصابين بالسكري أو بأمراض كلوية سابقة. ودعا إلى مراجعة طبيب الكلى فور ظهور تغير لون البول، أو تورم الوجه والأطراف، أو انخفاض كمية البول، أو ارتفاع ضغط الدم، أو ارتفاع مؤشرات وظائف الكلى أثناء الإصابة بالقوباء. وشدد على أن الوقاية تعتمد على المحافظة على النظافة الشخصية، وتنظيف الجروح والخدوش فوراً، وعدم إهمال علاج القوباء، مؤكداً أن العلاج المبكر يقلل بشكل كبير من خطر حدوث المضاعفات الكلوية.