يشهد التعليم العالي في المملكة العربية السعودية مرحلة تحول متسارعة تتطلب توسيع قاعدة المؤسسات التعليمية النوعية، واستقطاب جامعات عالمية متميزة، ولا سيما الجامعات غير الربحية التي يمكن أن تسهم في رفع مستوى التعليم والبحث العلمي والابتكار، وتعزيز تنافسية المملكة في الاقتصاد المعرفي. فالسوق السعودية، بما تتمتع به من طلب متزايد على التعليم النوعي، إلى جانب المكانة الاقتصادية والسياسية للمملكة، تمثل بيئة جاذبة للعديد من الجامعات العالمية، وخاصة الجامعات الأمريكية والبريطانية ذات السمعة الأكاديمية المرموقة.
ورغم هذه الجاذبية، فإن أحد أبرز التحديات التي قد تواجه الجامعات العالمية الراغبة في تأسيس حضور مؤسسي حقيقي في المملكة يتمثل في توفير البنية التحتية اللازمة. فالأراضي والمباني الأكاديمية والمختبرات والمكتبات والمنشآت الرياضية والسكنية والخدمات المساندة تتطلب استثمارات ضخمة ووقتاً طويلاً قبل أن تتمكن الجامعة من بدء نشاطها الأكاديمي بصورة متكاملة. ومن هنا تبرز الحاجة إلى نموذج وطني مبتكر يعالج هذا التحدي مسبقاً، ويحوّل البنية التحتية من عائق محتمل إلى عنصر جذب واستقطاب.
ويتمثل المقترح في تخصيص مساحة واسعة من الأراضي المملوكة للدولة في إحدى ضواحي الرياض، ويفضل أن تكون في شمال العاصمة، وتطويرها كـ«منطقة أكاديمية للجامعات العالمية»، مع إمكانية إنشاء أكثر من منطقة أكاديمية في مواقع مختلفة وفقاً لحجم الطلب واحتياجات الجامعات المستهدفة. وتُجهز هذه المناطق ببنية تحتية متكاملة وفق معايير دولية، تشمل المباني الأكاديمية، وقاعات التدريس والندوات والمؤتمرات، والمختبرات، والمكتبات، والمنشآت الرياضية، ومرافق الخدمات المساندة، بما في ذلك المباني السكنية لأعضاء هيئة التدريس والطلبة القادمين من خارج منطقة الرياض. ويسهم ذلك في توفير بيئة أكاديمية متكاملة تتيح للجامعة الانتقال إلى مرحلة التشغيل دون تحمل العبء الأولي الضخم المرتبط بتطوير الموقع والبنية التحتية.
ويمكن أن يتولى صندوق التعليم العالي، بالشراكة مع صندوق الاستثمارات العامة أو القطاع الخاص، تمويل وتطوير هذه البيئة الأساسية، ثم تقديمها للجامعات العالمية ضمن حزمة استقطاب تنافسية. وتحصل الجامعات على فترة تأسيس مدتها خمس سنوات، يتم خلالها تأجيل سداد تكلفة البنية التحتية، بما يمنحها فرصة لبناء برامجها الأكاديمية، واستقطاب أعضاء هيئة التدريس والطلاب، وتأسيس حضورها البحثي والمجتمعي، والوصول إلى مرحلة التشغيل المستقر.
وبعد انتهاء فترة التأسيس، تبدأ هذه الجامعات في سداد تكلفة البنية التحتية من عائدات الرسوم الدراسية على فترة سداد مناسبة قد تمتد إلى 25 عاماً، وفق نموذج مالي مرن يراعي طبيعة كل جامعة وحجم استثماراتها وعدد طلابها.
ولا يمثل هذا النموذج مجرد استثمار في المباني والمنشآت، بل هو استثمار طويل الأمد في المعرفة والإنسان والاقتصاد. فمن شأنه أن يجعل الرياض مركزاً إقليمياً للجامعات العالمية، ويعزز مكانة المملكة كوجهة تعليمية وبحثية دولية، ويدعم بناء منظومة متكاملة للابتكار وريادة الأعمال ونقل المعرفة، بما يتسق مع طموحات رؤية السعودية 2030 في بناء اقتصاد متنوع ومستدام قائم على المعرفة والابتكار.
@Dr_Alwathnani