تخيل مهندسًا يعيش في مدينة «أ»، وحصل على فرصة عمل في مدينة «ب» براتب يزيد بنحو 20 %. الوظيفة الجديدة أفضل، والشركة تحتاج إلى مهاراته، وربما تكون إنتاجيته فيها أعلى. من دون تفكير سيكون الانتقال منطقيًا، لكن ماذا لو كانت تكلفة السكن في المدينة الجديدة أعلى 40 %؟
هنا يكتشف المهندس أن الزيادة في راتبه لا تكفي لتعويض ارتفاع تكلفة السكن، فيقرر البقاء في مدينته ورفض الوظيفة. من ناحية المنطق يعتبر قرارًا عقلانيًا، لكن اقتصاديًا المشكلة تتجاوز تلك العقلانية كون الشركة لم تحصل على المهارة التي تحتاج إليها، والعامل لم ينتقل إلى المكان الذي يمكن أن يكون فيه أكثر إنتاجية.
في هذه الحالة، لم تعد أزمة السكن مشكلة تخص ذلك المهندس وحده، ولا مجرد قضية اجتماعية تتعلق بقدرة الأسر على شراء المنازل أو تحمّل الإيجارات. من زاوية أخرى، أصبح السكن عاملًا مؤثرًا في كفاءة سوق العمل وفي الطريقة التي يوزع بها الاقتصاد موارده البشرية. توصف مثل هذه الحالات في الاقتصاد، بأنها أحد أشكال سوء تخصيص العمالة. قد تكون الوظائف موجودة، والمهارات موجودة أيضًا، لكنهما لا يلتقيان في المكان نفسه، لأن الجغرافيا نفسها أصبحت عائقًا اقتصاديًا.
أخذت تكتسب هذه الفكرة حضورًا أكثر مع الارتفاع الكبير في أسعار السكن خلال العقود الماضية. في تقرير حديث لمنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية حول القدرة على تحمل تكاليف السكن، تشير المنظمة إلى أن صعوبة الوصول إلى سكن ميسور التكلفة تقلل قدرة الأفراد على الانتقال بين المناطق، وهو ما قد يزيد عدم تطابق المهارات مع الوظائف ويسهم في نقص العمالة في بعض الأماكن. القضية هنا تتجاوز فكرة كم يدفع الفرد مقابل منزله، إلى ماذا يخسر الاقتصاد عندما يصبح المنزل عائقاً أمام انتقال العامل إلى فرصة أفضل.
المدن لا تتساوى في إنتاجيتها، بعضها يجمع الشركات والجامعات ورأس المال والخبرات والبنية التحتية في مساحة واحدة، فتظهر ما يسميه الاقتصاديون وفورات التجمع. عندما تجتمع الشركات والعمالة الماهرة بالقرب من بعضها، تنتقل المعرفة بصورة أسرع، وتزداد فرص التخصص والابتكار، وترتفع الإنتاجية، لكن المشكلة تبدأ عندما تنجح المدينة اقتصاديًا إلى درجة تجعل السكن فيها باهظًا، فيصبح النجاح نفسه سببًا في منع مزيد من العمال من الوصول إليها.
آثار ارتفاع أسعار السكن تتجاوز كونها عائقًا أمام الأسر؛ فهي قد تعني فرصة عمل لم تتحقق، ومهارة بقيت في المكان الخطأ، وإنتاجية خسرها الاقتصاد لأن العامل المناسب لم يستطع الوصول إلى المكان الصحيح. باختصار هي أزمة في الطريقة التي يوزع بها الاقتصاد أهم موارده وهو الإنسان. هذا يقودنا إلى إعادة التفكير حتى في الطريقة التي نقيس بها نجاح سياسات الإسكان. زيادة التملّك هدف اجتماعي مهم، لكن ليس المؤشر الوحيد على كفاءة سوق الإسكان. السوق يحتاج أيضًا إلى خيارات إيجار متنوعة، ومعروض قادر على الاستجابة للطلب، ومدن تسمح ببناء مساكن بالقرب من مراكز العمل، لأن الاقتصاد الحديث يحتاج إلى حركة الناس بقدر حاجته إلى امتلاكهم الأصول. بناء على ذلك، فإن السياسة الإسكانية يجب أن تكون جزءًا من السياسة الإنتاجية.