في وقت يئن فيه الشباب تحت وطأة ارتفاع المهور وتكاليف الزواج الباهظة، شهدت منصات التواصل الاجتماعي في مصر انفجاراً لجدل قانوني وديني واسع، بعد انتشار وثيقة غير تقليدية تحت مسمى «زواج النفحة»، وهي صيغة ابتدعها البعض للالتفاف على التكاليف المالية، لكنها سرعان ما تحولت إلى كابوس يهدد بضياع الحقوق والأنساب.

العقد المتداول أثار حفيظة الرأي العام والمؤسسات الدينية؛ إذ ينص على زواج الرجل والمرأة مقابل مهر مقدم ومؤجل وتحديد بنود للنفقة والطلاق والاعتراف بالأبناء، لكنه يستبعد تماماً حضور ولي أمر المرأة أو التوثيق الرسمي أو الإشهار، مقدماً نفسه كبديل «سريع ورخيص» للزواج التقليدي!

أزمة هذا العقد أخذت منحنى رسمياً عندما تلقت دار الإفتاء المصرية سؤالاً من طالب جامعي، أقرّ برغبته في الزواج من زميلته بعيداً عن أعين الأسر والمأذون، خوفاً من تحمل الأعباء المالية والمسؤوليات المنزلية الشاقة.

وجاء رد دار الإفتاء كالصاعقة، إذ حسمت الدار الجدل مؤكدة أن ما يُسمى بـ«زواج النفحة» ليس زواجاً شرعياً على الإطلاق ولا يجوز الإقدام عليه، مشددة على أن وضع بنود للمهر أو الاعتراف بالأبناء داخل ورقة عرفية لا يعوض بأي حال من الأحوال استيفاء الأركان الجوهرية للزواج وعلى رأسها الإشهار والولايات الشرعية.

ولم تتوقف الردود الحاسمة عند هذا الحد، إذ أكد عضو هيئة التدريس بجامعة الأزهر الدكتور عطية لاشين أن هذه الصيغة «باطلة ومحرمة شرعاً»، مشدداً على ضرورة الفسخ الفوري لكل عقد أُبرم بهذه الطريقة.

وأضاف لاشين في تصريحات صحفية أن خطورة هذا العقد تتجاوز الزوجين لتعصف بمستقبل الأبناء، قائلاً: «الطفل لا ذنب له في مغامرة والده، ومسؤولية الأب الشرعية تقتضي حماية نسب أبنائه وحقوقهم من أي نزاع قانوني في المستقبل، بدلاً من تعريضهم للضياع».

من جانبه، حذر مفتي مصر الدكتور نظير عياد من الاندفاع خلف هذه الصيغ المشبوهة تحت ذرائع الضغوط الاقتصادية، مؤكداً أن الشريعة الإسلامية حثت على تيسير المهور وعدم المغالاة، لكنها لم تجز أبداً التنازل عن شروط صحة العقد التي تحمي المرأة وتصون الأنساب.

ويبقى السؤال الذي يشغل الشارع المصري الآن: هل تحسم هذه الفتاوى الحاسمة هوس العقود السريعة، أم أن ضغوط التكاليف ستظل تدفع الشباب نحو فخاخ جديدة تخالف الشريعة وتهدد استقرار المجتمع؟