لطالما اعتقدنا أن قراراتنا الأخلاقية، وقدرتنا على التعاطف، أو حتى نزعاتنا نحو الأنانية والاندفاع، هي مجرد نتاج لتنشئتنا الاجتماعية أو تركيبتنا النفسية المعقدة. لكن علم الأعصاب والتغذية الحديث جاء ليقلب هذا المفهوم رأساً على عقب، مؤكداً أن جزءاً كبيراً من «هويتنا الجريئة أو المظلمة» قد يكون محكوماً بجيوش من البكتيريا المجهرية التي تستوطن أمعاءنا وفمنا!
في كشف علمي فريد من نوعه أعدته الباحثة كارولينا كوستا من جامعة بورتو البرتغالية، ونُشر في دورية Translational Psychiatry، تبين وجود رابط بيولوجي غير متوقع بين تركيب «الميكروبيوم» وتطور سمات الاعتلال النفسي (السيكوباتية)، وهي الشخصية التي تتسم عادة بانعدام التعاطف، والقسوة، والاندفاعية المطلقة.
تجربة الـ200 متطوع: البكتيريا تتكلم!
الفريق العلمي أخضع 200 شخص بالغ وبصحة جيدة لاختبارات دقيقة، حيث طُلب منهم ملء استبيانات لقياس مؤشرات السمات السيكوباتية، بالتوازي مع أخذ عينات من الدم، واللعاب، والبراز لرصد الخريطة الجينية للبكتيريا في أجسادهم.
المفاجأة التي صدمت الباحثين تمثلت في أن الأفراد الذين سجلوا معدلات مرتفعة جداً في الأنانية وانعدام التعاطف، أظهرت تحاليلهم وفرة غير طبيعية لثلاثة أنواع محددة من البكتيريا وهي: (Allisonella، وPrevotella، وCloacibacillus evryensis). وعلى النقيض تماماً، ارتبط وجود نوع رابع يُدعى (Treponema vincentii) بانخفاض واضح في هذه المؤشرات النفسية الحادة!
وحول كيفية تأثير البكتيريا على العقل والسلوك، يوضح العلماء أن هذه الكائنات الدقيقة لا تجلس صامتة في أحشائنا، بل تعمل كـ«مصانع كيميائية» تؤثر في الدماغ عبر ثلاث طرق رئيسية:
- تأجيج التهابات خفية: تطلق مركبًا يعزز مشاعر القلق والاكتئاب والاضطراب العاطفي.
- التلاعب بالمشاعر: تؤثر على كيفية معالجة الموقف العاطفي واتخاذ القرارات السريعة.
- التحكم بالناقلات العصبية: تنتج مواد كيميائية مثل حمض «غاما أمينوبيوتيريك» (GABA)، وهو المسؤول عن فرملة الاندفاع والسيطرة على الغضب.
هل البكتيريا هي «السبب المباشر» للشر؟
يسارع الباحثون بالتأكيد على أن النتائج (التي ما زالت تنتظر مراجعة الأقران النهائية) تظهر «ارتباطاً بيولوجياً» وثيقاً ولا تعني وجود علاقة سبب قطعية حتى الآن. وبعبارة أخرى: قد تكون هذه البكتيريا مجرد «بصمة بيولوجية» مصاحبة للشخصية السيكوباتية وليست المحرك الوحيد لها.
ومع ذلك، فإن هذا الاكتشاف يفتح باباً ثورياً في عالم الطب النفسي، فقد نصل يوماً ما إلى استخدام تعديل حمية الميكروبيوم أو إعطاء «جرعات بكتيرية نافعة» لعلاج الاندفاع الحاد أو الحد من الميول العدوانية.. ليثبت الجسد البشري مجدداً أن حدوده تتجاوز مجرد اللحم والدم!