في المملكة سريرٌ واحد قد تفوق تكلفته أفخمَ أجنحة الفنادق، لكنك لن تجده في فندق، بل في وحدة العناية المركزة. فبحسب دراسةٍ سعودية أُجريت في مدينة الملك سعود الطبية، بلغت تكلفة سرير العناية المركزة الواحد قرابة ثلاثةٍ وعشرين ألف ريال في اليوم للمريض الواحد، ثم نجحت سياسة ضبط التكاليف في تثبيتها عند أقلّ من ثمانية عشر ألف ريال يومياً. أي أنّ مريضاً واحداً، في يومٍ واحد، قد يكلّف ما يوازي راتب موظفٍ شهراً كاملاً. فلماذا كل هذه الكلفة؟ وهل الحلّ أن نقلّص هذا السرير الغالي؟
الجواب عن السؤال الأول بسيط. سرير العناية ليس سريراً فقط، بل منظومة كاملة تحيط بمريضٍ على حافة الحياة. ممرضٌ لا يفارقه، وجهاز تنفّسٍ صناعي، وشاشات مراقبةٍ تعمل على مدار الساعة، وأدويةٌ باهظة، وأطباءُ عنايةٍ متفرّغون ليلاً ونهاراً. والرواتب وحدها تلتهم قرابة نصف هذه التكلفة. لذلك تُعدّ وحدات العناية من أعلى مراكز الإنفاق في أي مستشفى حول العالم، لا في المملكة وحدها. وللمقارنة، أظهرت دراسةٌ سعودية على مرضى كورونا أنّ متوسط كلفة المريض في العناية المركزة بلغ نحو تسعةٍ وسبعين ألف ريال، مقابل نحو اثنين وأربعين ألفًا في القسم العادي -أي ما يقارب الضعف. الفارق ليس رفاهية، بل هو ثمن إبقاء إنسانٍ على قيد الحياة حين تتوقف أعضاؤه عن العمل.
وهنا يأتي السؤال الأصعب، خصوصاً ونحن نعيش تحوّلاً صحياً كبيراً ضمن رؤية المملكة 2030، عنوانه الكفاءة واستدامة الإنفاق. حين يرى المسؤول الماليّ رقماً بهذا الحجم، تكون غريزته الأولى أن يقلّص: أسِرّة أقل، وميزانية أضيق. لكنّ هذا -بلغة الاقتصاد نفسها- أسوأ قرار ممكن. فالعناية المركزة ليست بنداً نوفّر منه بالحذف، بل بندٌ نوفّر منه بحُسن الإدارة. السرير الغالي لا يُهدر المال حين نستخدمه، بل حين نُسيء استخدامه. ولنتذكّر أنّ لكل سرير عنايةٍ مغلقٍ لنقص الكوادر ثمناً خفياً: مريضٌ حرجٌ يُحوَّل إلى مدينةٍ أخرى، أو ينتظر ساعاتٍ في الطوارئ قد تكلّفه حياته. فالتقليص الأعمى لا يوفّر، بل ينقل الفاتورة إلى مكانٍ آخر -وغالبًا تكون أغلى.
ودعوني أبسّطها: الهدر الحقيقي ليس في السرير، بل في سوء إدارته. مريضٌ يبقى يوماً زائداً بلا حاجة، فاتورةٌ من ثمانية عشر ألف ريال تتكرّر بلا مبرّر. عدوى يلتقطها المريض داخل العناية بسبب قسطرةٍ ملوّثة، فتطيل بقاءه أسابيع وتضاعف كلفته. مريضٌ يُخرَج مبكراً فيعود بعد يومين أسوأ حالاً. وآخر يشغل سريراً حرجاً وهو لا يحتاج إليه، بينما ينتظر مريضٌ أحقّ منه على باب الطوارئ. وتأخّرٌ في نقل مريضٍ تعافى إلى القسم العادي لأن السرير هناك مشغول، فيبقى محتجزاً في أغلى مكانٍ في المستشفى بلا داعٍ. كل واحدةٍ من هذه اللحظات تكلّف عشرات الآلاف، والمريض لا يستفيد، والميزانية تنزف. هنا يضيع المال، لا في وجود السرير. فالمشكلة ليست أنّ لدينا أسِرّة عناية، بل أنّنا أحياناً لا نُديرها بالذكاء الذي تستحقّه كلفتها.
إذن، كيف نحوّل «أغلى سرير» إلى «أثمن سرير»؛ أي إلى استثمارٍ يخدم المريض والاقتصاد معاً؟ الحلول عملية وممكنة، وكثيرٌ منها مطبَّق بنجاح في مستشفياتٍ سعودية اليوم:
أولاً، المريض المناسب في السرير المناسب.
ليست كل حالةٍ تحتاج عنايةً مركزة. وجود وحدات «عناية متوسطة» (Step-down) تستقبل الحالات الأقل خطورة، تفرّغ الأسِرّة الحرجة لمن يحتاجها فعلاً، وتخفض الكلفة دون أن تمسّ الجودة.
ثانياً، الوقاية من المضاعفات.
أرخص ريالٍ يُنفَق هو الذي يمنع العدوى قبل حدوثها. بروتوكولات بسيطة لغسل اليدين والعناية بالقساطر وأجهزة التنفّس توفّر ملايين الريالات سنوياً، لأن علاج مضاعفةٍ واحدة أغلى بكثير من الوقاية منها.
ثالثاً، تقليل أيام التنفّس الصناعي.
جهاز التنفّس من أكبر بنود الكلفة. وبرامج الفطام المبكر وتحريك المريض مبكراً تُخرجه من الجهاز أسرع، فتقلّ الكلفة وتتحسّن نتائجه في آنٍ واحد.
رابعاً، العناية المركزة عن بُعد (Tele-ICU).
بدل بناء وحدةٍ استشارية مكلفة في كل مدينة، يمكن لخبيرٍ واحد في الرياض أن يشرف على مرضى في مناطق بعيدة عبر التقنية. هذا يوزّع الخبرة النادرة على رقعةٍ واسعة بأقلّ تكلفة، ويخدم عدالة الوصول التي تنشدها الرؤية.
خامساً، بناء الكوادر السعودية.
الاعتماد المفرط على استقطاب أطباء وممرّضين من الخارج مكلفٌ ومتقطّع. الاستثمار في تدريب كوادرنا في العناية الحرجة أرخص على المدى الطويل، وأكثر استقراراً، ويحفظ المال داخل الوطن.
سادساً، الوقاية قبل باب العناية.
كثيرٌ من أسِرّتنا الحرجة يشغلها مرضى مضاعفات السكري والسمنة وحوادث الطرق -وكلها قابلة للتقليل. كل ريال يُنفَق على الوقاية والتوعية أعلى الهرم يوفّر أضعافه على باب العناية المركزة. فالمريض الذي لم يدخل العناية أصلاً هو أرخص مريضٍ على الإطلاق، وأسعدهم حظاً.
سابعاً، توظيف البيانات والذكاء الاصطناعي.
أنظمة التنبيه المبكر التي ترصد تدهور المريض قبل تفاقمه تمنع دخوله العناية أصلاً، أو تقصّر مدة بقائه. وهذا استثمارٌ رقميّ ينسجم تماماً مع اقتصاد المعرفة في الرؤية.
خلاصة القول: الحلّ ليس في تقليص أغلى سرير، بل في جعله يعمل بكامل قيمته. فحين يُدار سرير العناية بكفاءة، يتحوّل من عبءٍ على الميزانية إلى أذكى استثمارٍ فيها -يُنقذ حياةً، ويحفظ مالاً، ويخدم استدامة القطاع الصحي التي تقوم عليها رؤية 2030. إنّ أغلى سريرٍ في المملكة يستحق أن يكون أيضاً أكثرها قيمةً، لا أكثرها هدراً. والفرق بين الأمرين ليس في حجم الميزانية، بل في حُسن إدارتها.