تكتنز أروقة مساجدنا القديمة في قرانا ومدننا حكايات أجيال تعاقبت ثم ذهبت بصمت، لكن لا تزال تُسمع أصداء تراتيل القراء وتسبيح المصلين ونداءات المؤذنين تتردد في جنباتها وكأنها لم تنقطع يوماً منذ قرون.
فالمساجد لم تكن دور عبادة تُقام فيها الصلوات فحسب، بل كانت القلب الحضري النابض الذي تشكّلت عليه حياة الناس ونشأت حوله الأسواق والساحات وتفرعت منه الأزقة والبيوت.
ولا يخفى على أحد فضل بناء المساجد.. وأن وقفها صدقة جارية حتى قيام الساعة، وقد أولت الشريعة الإسلامية الأوقاف عنايتها بشكلٍ عام والقديمة منها بصفة خاصة لضمان استمرار أجر واقفها.
وتدعم هذا التوجه الجهات المعنية في المملكة من مبدأ: «إن إحياء الوقف القديم أولى من إنشاء وقف جديد».. استناداً للقاعدة الفقهية بأن «شرط الواقف كنص الشارع»، فالأوقاف التي حبسها الأجداد لها حق الأسبقية.. وإهمالها وتركها للاندثار بهذه الطريقة فيه تفريط بحق الواقف.
يقول الله سبحانه وتعالى: ﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ {التوبة: 18}. فالعمارة هنا تعني: (العمارة المعنوية والمادية)، أي القائمة على الصلاة والذكر وحفظها وصيانتها من الخراب.. فبقاء البناء قائماً ومهيئاً للمصلين هو شرط وجودها.
واليوم نحن نعيش تحوّلاً وطنياً شاملاً يولي التراث الثقافي أهمية استثنائية، تتجلى في إعادة الروح لهذه المساجد وإعادة الصلاة فيها، وأن تكون نواة لترميم وتطوير البلدات القديمة بما يُحدث أثراً مباشراً لعودة الحياة إليها.. وتغري بالسكن فيها «إن أمكن» وزيارتها بشكل متواصل.
فالبعث العمراني لا يقتصر على صيانتها فحسب، بل يساهم بشكل مباشر في تعزيز الانتماء الوطني لدى النشء الجديد، حيث يتعرفون من خلال هذه المعالم على كفاح أجدادهم وكيف كانت هذه المساجد منارات للعلم ووحدة المجتمع.
وعليه.. يلزم الحرص على أن تبقى الخصائص العمرانية للمساجد التاريخية والمباني التي حوّلها على ما كانت عليه.. فكل منطقة لها خصائص تختلف عن الأخرى مما يستلزم وضع دليل معماري (كود بناء) يُستدل ويستلهم منه في تطوير بقية القرى.
وهنا نأتي للخطوة العملية والمهمة التي قام بها مشروع الأمير محمد بن سلمان لتطوير المساجد التاريخية، الذي عمل باحترافية على وضع رؤية استراتيجية ونموذج فعلي ترجم هذا الفكر وأصّلهُ شرعاً وقام بتحويله إلى واقع ملموس، فلم يقتصر المشروع على الجانب العمراني المجرد، بل حقق معادلة تجمع بين الأصالة والاستدامة باستخدامه نفس مواد البناء الأصلية.. وحافظ على العناصر التراثية والمعمارية المميّزة لكل مسجد.. وتجهيزه بأحدث التقنيات والخدمات دون المساس بهويته، مما سيجعل تلك المساجد مستقبلاً محطات رئيسية للسياحة الثقافية والتاريخية.
وفي مثل هذه المشاريع دائماً ما يكون الرهان على الأهالي! إذ يتمثل دورهم في التشغيل والاستدامة، وهذا يتطلب جهداً ومالاً وحسن إدارة.. ولعل إعادة ترميم البيوت التراثية المحيطة بالمساجد من أهم تلك الأولويات.. ولأن هذا يتطلب وقتاً قد يمتد لسنوات مما قد يؤثر على تسريع عودة الحياة للمساجد، فإن الأمر يستدعي خلق مبادرات جذب نشطة ومحركات اقتصادية واجتماعية.. مثل إحياء «سوق المسجد الأسبوعي» بشكل منتظم للمزارعين، والحِرفيين، والمنتجات المحلية ومواسم الحصاد.. ما يجعلها مقصداً دورياً للزوار.
وإذا كان يمكن سد إشكال بطء الترميم بهذه الأنشطة، فإن الإشكال المؤرق يكمن في حالة عدم الاستثمار الخدمي للبيوت الملاصقة والقريبة للمساجد! إذ يجب ألا تُترك مهجورة أو سكناً للعمالة أو مستودعاً للمحلات كما كان الوضع سابقاً في جدة التاريخية وبيوت الطين حالياً في وسط الرياض.. بل يلزم المسارعة ولو بشكل مؤقت على تأمينها من الانهيار وإغلاقها ورصف وإنارة طرقاتها وأزقتها وخدمتها بما تحتاج وجعلها مسارات لهواة المشي والتنزه على أقل تقدير.
إن ما قام به ولي العهد -جزاه الله خيراً- بإعادة تأهيل 250 مسجداً تاريخياً يمثل حجر أساس لمشروع وطني ممتد.. والواجب يتطلب منا أفراداً ومؤسسات الاستمرار على هذا النهج واستكمال العناية ببقية المساجد التاريخية التي ما زالت تنتظر أن تمتد لها يد الترميم والإحياء.
ولضمان ديمومة هذا العطاء، تبرز حاجةٌ ماسة إلى تأسيس آلية تمويل مستدامة كفتح أبواب التبرع والمشاركة المجتمعية عبر منصات معتمدة كـ«إحسان» و«وقفي» أو إيجاد صناديق وقفية مخصصة تحت إشراف محافظات ومراكز المدن لتوجيه الدعم نحو مسجد تاريخي محددٍ بذاته.. إضافة إلى تفعيل برامج المسؤولية المجتمعية للشركات بالتمويل والمساهمة، وتسهيل تقديم قروض سياحية وحرفية ميسرة من الجهات التمويلية للأهالي لترميم منازلهم الملاصقة وتحويلها لبيوت ضيافة، متاحف، مراكز إعلامية أو مطاعم ومقاهٍ تراثية.. مع حث الدعاة وطلبة العلم على توعية وتوجيه الناس عن فضل إحياء المساجد القديمة المُعطلة لزمن.. لعظم أجرها.