لا تقوم الدولة القانونية على مجرد وجود الأنظمة واللوائح، وإنما تقوم كذلك على انتظام هذه القواعد في بناء قانوني متدرج، تتحدد فيه قوة كل قاعدة ومجالها، بحيث تلتزم القاعدة الأدنى بالحدود التي رسمتها القواعد الأعلى منها، فلا تخالفها ولا تتجاوز نطاق السلطة التي تستند إليها.

وهذا ما يُعرف في الفقه القانوني بمبدأ تدرّج القواعد القانونية، وهو من أهم المبادئ التي تقوم عليها فكرة المشروعية؛ إذ لو كانت جميع القواعد القانونية في مرتبة واحدة، لجاز للائحة أن تخالف النظام، وللقرار الإداري أن يهدر حكم اللائحة، ولأصبحت المنظومة القانونية عرضة للتناقض والاضطراب.

وفي المملكة العربية السعودية يكتسب هذا المبدأ خصوصية نابعة من طبيعة البناء النظامي للدولة؛ فالمادة الأولى من النظام الأساسي للحكم تقرر أن دستور المملكة هو كتاب الله تعالى وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، كما تقرر المادة السابعة أن الحكم في المملكة يستمد سلطته من كتاب الله وسنة رسوله، وأنهما الحاكمان على النظام الأساسي للحكم وجميع أنظمة الدولة.

وفي إطار هذا البناء يحتل النظام الأساسي للحكم مكانة محورية بما يتضمنه من قواعد تنظم أسس الحكم وسلطات الدولة واختصاصاتها والحقوق والواجبات، وتأتي الأنظمة لتنظيم مختلف مجالات الحياة والمعاملات، كنظام المعاملات المدنية، ونظام الشركات، ونظام الإثبات، ونظام المرافعات الشرعية، وغيرها. وتأتي في مستويات تالية اللوائح والتنظيمات والقرارات، بحسب سند كل منها والاختصاص المقرر للجهة المصدرة.

وتأتي اللوائح التنفيذية لبيان كيفية تنفيذ الأنظمة وتفصيل الأحكام اللازمة لتطبيقها. وهنا تظهر إحدى أهم صور التدرج القانوني؛ فاللائحة وُجدت لتنفيذ النظام وتفصيل أحكامه، لا لتعديله أو تعطيله أو إنشاء أحكام تناقضه. ولذلك تبقى الجهة المختصة بإصدارها مقيدة بحدود السند النظامي الذي تستند إليه، فلا تتجاوز نطاق التفويض الممنوح لها.

وتلي ذلك القرارات التنظيمية والإدارية التي تصدرها الوزارات والهيئات والجهات العامة في حدود اختصاصاتها. وهذه القرارات لا تستمد مشروعيتها من مجرد صدورها عن جهة عامة، وإنما من صدورها عن جهة مختصة، وفي الحدود التي أجازها لها النظام، وبمضمون لا يخالف القواعد النظامية الحاكمة لها.

ومن هنا فإن التدرج القانوني ليس ترتيباً نظرياً للنصوص فحسب، وإنما تترتب عليه نتائج عملية بالغة الأهمية؛ فإذا تجاوزت اللائحة حدود النظام الذي تستند إليه، أو استحدث القرار الإداري قيداً أو التزاماً لا يملك مصدره سلطة تقريره، برز التساؤل عن مشروعية تلك القاعدة ومدى بقائها داخل حدود الاختصاص الممنوح لمصدرها.

ويرتبط بذلك ارتباطاً وثيقاً مبدأ المشروعية، الذي يقتضي خضوع الجهات العامة في أعمالها وتصرفاتها للقواعد النظامية النافذة؛ فلا يكفي أن يصدر التصرف من جهة مختصة في الأصل، بل يجب أن يصدر في نطاق اختصاصها، ووفق الإجراءات المقررة، وألا يتجاوز الحدود الموضوعية التي رسمها النظام.

ومن المسائل المهمة في هذا السياق أنه لا يصح بناء التدرج على مسمى أداة الإصدار وحدها؛ فالمرسوم الملكي، والأمر الملكي، وقرار مجلس الوزراء، والقرار الوزاري تختلف آثار ما يصدر بها بحسب طبيعة مضمونه، وسنده النظامي، واختصاص مصدره. ولذلك فإن البحث القانوني الدقيق لا يقف عند عنوان الأداة، وإنما يتجاوز ذلك إلى النظر في طبيعة القاعدة التي تتضمنها، ومصدر السلطة التي استندت إليها، وحدود ذلك الاختصاص.

ولم يظل مبدأ المشروعية في دائرة الفقه القانوني، بل وجد تطبيقه المباشر في الرقابة القضائية؛ إذ جعل نظام ديوان المظالم مخالفة النظم واللوائح، أو الخطأ في تطبيقها أو تأويلها من أسباب الطعن بطلب إلغاء القرارات الإدارية النهائية، إلى جانب عيوب أخرى كعدم الاختصاص وعيب الشكل وعيب السبب وإساءة استعمال السلطة.

وهنا تظهر القيمة العملية لمبدأ التدرج؛ فالقرار الإداري لا يصبح مشروعاً لمجرد صدوره، واللائحة لا تكتسب حصانة لمجرد نشرها، وإنما تظل مشروعية كل منهما مرتبطة بمدى موافقته للقواعد الحاكمة له والتزام مصدره بحدود اختصاصه.

ولا ينبغي الخلط بين تعارض قاعدتين مختلفتين في المرتبة وتعارض قاعدتين من المرتبة ذاتها؛ ففي الحالة الأولى تكون العبرة بمرتبة كل قاعدة وسندها النظامي، أما إذا تساوت القاعدتان في القوة النظامية، فإن معالجة التعارض تنتقل إلى قواعد التفسير والترجيح، ومن ذلك النظر في العموم والخصوص، وتاريخ صدور النصوص، ومدى إمكان الجمع بينها، قبل القول بوجود تعارض أو نسخ.

إن تدرّج القواعد القانونية في حقيقته ليس مجرد هرم تُرتب داخله النصوص من الأعلى إلى الأدنى، بل هو ضمانة لحماية الحقوق، واستقرار المعاملات، ومنع تعارض القرارات، والحد من تجاوز السلطات لاختصاصاتها.

ولهذا فإن أول سؤال ينبغي أن يطرحه الممارس القانوني عند مواجهة تعارض بين نصين، أو بين قرار ونظام، ليس: أيهما أحدث؟ وإنما قبل ذلك: أيهما أعلى مرتبة؟ ومن أين استمد كل منهما قوته؟ وهل تملك الجهة التي أصدرت القاعدة الأدنى صلاحية إصدارها بهذا المضمون؟ وهل صدرت في حدود التفويض الذي منحته القاعدة الأعلى؟

أما إذا تساوت القاعدتان في المرتبة، فإن تاريخ صدورهما يصبح أحد العناصر التي يُنظر إليها إلى جانب قواعد التفسير والترجيح الأخرى، فلا يُصار إلى القول بتقديم اللاحق أو نسخ السابق إلا وفق الضوابط المقررة لذلك.

فالقاعدة القانونية لا تستمد قوتها من اسمها وحده، ولا من الجهة التي أصدرتها فحسب، وإنما من موقعها في البناء النظامي، وسندها، وحدود الاختصاص الذي صدرت استناداً إليه.

ومن هنا يظل السؤال الأهم عند فحص مشروعية أي قاعدة أو قرار: من أين استمد مصدرها سلطة إصدارها، وهل بقي في حدود تلك السلطة؟

فحيث تُحترم هذه الحدود تتحقق المشروعية، ويستقيم البناء القانوني، وتترسخ سيادة النظام

• مستشار قانوني