لم يكن ينقص هذا الشارع العريق في منطقة «المرسى» التونسية سوى مشهد واحد ليكتمل التناقض الصارخ، بين روائح الأطعمة الفاخرة المنبعثة من مطعم شهير، ورجل خمسيني منهك يتكئ على الرصيف، يلملم ما تبقى من كرامته ليصرخ بصوت خافت: «جائع.. أريد أن آكل».

أربع كلمات فقط كانت كفيلة بأن تفتح أبواب الجحيم على مواقع التواصل الاجتماعي في تونس، بعدما تحولت صرخة الجوع إلى مأساة مروعة انتهت ببركة دماء على الأسفلت أمام مرأى ومسمع زبائن المكان.

تطورت الأحداث في دقائق معدودة، فبعد اعتذار إدارة المطعم عن عدم تقديم وجبة للرجل، لم يصرخ ولم يحدث شغباً، بل غادر المكان في صمت مريب.

دقائق قليلة وكانت المفاجأة، عاد الرجل وهو يحمل شفرة حلاقة اشترَاها للتو، وقبل أن يستوعب الحاضرون موقفه، أقدم على قطع شرايين يده في الشارع أمام المارة. سالت الدماء بغزارة على الرصيف، وفي الوقت الذي هرعت فيه طواقم الحماية المدنية للموقع، كان جسد الرجل قد فارق الحياة، متأثراً بنزيف حاد والجوع ينهك بدنه.

وفور انتشار الخبر، تحول الفضاء الرقمي في تونس إلى ساحة غضب عارم، حيث تفاعل السياسيون والناشطون مع الواقعة بمرارة شديدة:

  • انكسار الكرامة: اعتبر غاضبون أن الرجل لم يمت من الجوع المادي فقط، بل مات من «القهر والإهانة» بعد أن رُفض طلبه في بلد يُعرف بالتكافل والرحمة.
  • صرخة الهشاشة النفسية: أشار آخرون إلى أن خطوة إيذاء النفس بهذه البشاعة تعكس تراكمات قاسية من البطالة، والفقر، وانسداد الأفق، والديون التي جعلت من رفض وجبة طعام القشة التي قصمت ظهر البعير.

وأمام هذا السيل من الاتهامات، سارعت إدارة المطعم بنشر بيان رسمي توضح فيه ملابسات الحادثة، مشيرة إلى أن الرجل كان قد زار المحل في وقت سابق من اليوم نفسه وتحصل على وجبة مجانية بالفعل.

وأضاف البيان أن الاعتذار جاء عندما عاد في المساء للمرة الثانية لطلب وجبة أخرى، مما أدى لاندلاع مشادة كلامية قصيرة قبل أن يغادر، ليعود بعدها ويفاجئ الجميع بتصرّفه الفاجع خارج حدود المحل.

ويمكن القول إنه بين بيان برّأ فيه المطعم موقفه، وغضب عارم يجتاح الشارع التونسي، تبقى الواقعة جرحاً غائراً يوثق لحظة يأس قاسية اختار فيها إنسان أن ينهي حياته بعد صرخة جوع أمام أبواب الشبع!