ليست الحكمة أن ترد على كل استفزاز، ولا القوة أن تدخل كل مواجهة، وإنما الحكمة الحقيقية أن تعرف الدولة متى تصمت، ومتى تتحدث، ومتى يكون الفعل أبلغ من الكلام.

وهذه إحدى الصفات التي يمكن أن نلمسها في نهج قيادة المملكة العربية السعودية؛ صبرٌ لا يعني غفلة، وهدوءٌ لا يعني ضعفاً، ودبلوماسيةٌ لا تعني التنازل عن الحقوق والمصالح.

ومن أمام الكعبة المشرفة، في مكة المكرمة، وفي يوم الجمعة، جاءت اتفاقية الدفاع المشترك بين المملكة وتركيا وباكستان، في مشهد يحمل من الرمزية ما يتجاوز بنود الاتفاق.

ثلاث دول تجتمع على الأمن، في مكان يجتمع فيه المسلمون على السكينة.

لكن الأهم من المشهد هو ما وراءه.

فالمملكة التي اختارت طويلاً طريق الحوار والتهدئة، تعرف في الوقت نفسه أن للصبر حدوداً، وأن حماية الوطن لا يمكن أن تكون موضع مساومة.

وفي هذا النهج، لا تأتي القرارات السعودية وليدة اللحظة أو أسيرة الانفعال؛ بل تسبقها قراءة هادئة للمشهد، وتقدير للمخاطر، وموازنة دقيقة بين الخيارات والمصالح.

رد الفعل يولد من الغضب، أما القرار فيولد من الحساب.

وحين تصبح حماية الأمن ضرورة، لا يأتي القرار استعراضاً للقوة، بل ممارسةً مسؤولة لها، في الوقت الذي تراه القيادة مناسباً، وبما يخدم أمن المملكة ومصالحها.

هذه هي القيادة التي تعرف قيمة السلام لأنها تعرف كلفة الحرب، وتعرف قيمة القوة لأنها لا تستخدمها إلا حين تصبح ضرورية.

وفي عهد خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز، وسمو ولي العهد رئيس مجلس الوزراء الأمير محمد بن سلمان -حفظهما الله، أصبحت السياسة السعودية أكثر وضوحاً في معادلتها:

نبني قوتنا، نمد أيدينا للسلام، نحفظ مصالحنا، ولا نبدأ بالتصعيد.. لكننا لا نتردد في حماية وطننا حين يُفرض علينا ذلك.

ومن هنا يمكن فهم اتفاق مكة.

فهو ليس إعلاناً عن رغبة في الحرب، وإنما رسالة بأن أمن المملكة والمنطقة ليس مساحة مفتوحة للاختبار، وأن بناء الشراكات الدفاعية يمكن أن يكون جزءاً من صناعة الردع الذي يحمي السلام بدل أن يقود إلى الحرب.

والسعودية، بما تملكه من مكانة وثقل، لا تحمي نفسها فقط؛ بل تسهم في حماية استقرار منطقة بأكملها.

فاستقرار المملكة ليس شأناً سعودياً خالصاً؛ لما لها من حضور وتأثير في الاقتصاد والطاقة والتجارة والممرات الإقليمية، وما يترتب على أمنها من آثار تتجاوز حدودها.

واللافت أن المستفيد من هذا الاستقرار ليس بالضرورة من يقف مع المملكة فقط.

حتى من يختلف معها، وحتى من يعاديها، قد يجد نفسه مستفيداً من منطقة أكثر أمناً وأقل توتراً.

فحين تُحمى الممرات، وتستقر الأسواق، وتتراجع احتمالات الحرب، لا تُسأل المنافع عمّن كان صديقاً ومن كان خصماً.

الاستقرار لا يعرف الخصومات.

وهنا تكمن عظمة الدور الذي تستطيع المملكة أن تؤديه في محيطها؛ فهي لا تحمي أمنها فحسب، بل تسهم، بحكم وزنها ومكانتها، في حماية مساحة أوسع من الاستقرار.

ولعل الرسالة الأعمق من كل ذلك أن السعودية لا تبحث عن منطقة تخضع لها، وإنما عن منطقة تستقر بها.

فالقيادة التي تعرف قيمة الوطن، تعرف أيضاً أن مسؤولية القوة ليست أن تجعل الآخرين يخافون منها، بل أن تجعل الاعتداء عليها وعلى محيطها أكثر صعوبة، وأن تجعل السلام أكثر قابلية للاستمرار.

ولهذا فإن اتفاق مكة لا ينبغي أن يُقرأ بوصفه اتفاقاً بين ثلاث دول فحسب، بل باعتباره خطوة في اتجاه أن تكون دول المنطقة أكثر قدرة على حماية أمنها، وأكثر حضوراً في صياغة مستقبلها، وأقل اعتماداً على أن يقرر الآخرون مصيرها.

وفي مكة المكرمة، وفي يوم الجمعة، لم يكن اجتماع الدول الثلاث مجرد توقيع على اتفاق.

كان تذكيراً بأن القوة حين تقترن بالحكمة، تتحول من أداة للمواجهة إلى أداة لحماية السلام.

ومن أمام الكعبة المشرفة، جاءت الرسالة هادئة في مكانها، قوية في معناها:

السعودية لا تبحث عن الحرب، لكنها مستعدة لحماية السلام؛ لا تسعى إلى الخصومة، لكنها لا تتنازل عن أمنها؛ تصبر حين يكون الصبر حكمة، وتحزم أمرها حين يصبح الحزم ضرورة.

حفظ الله المملكة وقيادتها، وأدام عليها أمنها وعزها واستقرارها.