أعاد اكتشاف مواطنين مصريين خطوط هاتف محمول مسجلة بأسمائهم دون علمهم فتح ملف قديم يتعلق بآليات تسجيل شرائح الاتصال والتحقق من هوية المستخدمين، وسط تساؤلات متزايدة حول المسؤولية القانونية للشخص الذي تظهر بياناته على الخط إذا استُخدم لاحقاً في ارتكاب جريمة.

وتصاعد الجدل خلال الأيام الماضية بعد تداول شكاوى عبر وسائل الإعلام ومنصات التواصل الاجتماعي، قال أصحابها إنهم فوجئوا عند الاستعلام من خلال تطبيق My NTRA التابع للجهاز القومي لتنظيم الاتصالات بوجود أرقام مسجلة بأسمائهم، رغم تأكيدهم أنهم لا يعرفون هذه الخطوط ولم يسبق لهم التعاقد عليها.

وأثارت الحالات المتداولة مخاوف بشأن احتمالية استخدام بيانات المواطنين في استخراج شرائح اتصال دون علمهم، إلى جانب سؤال أكثر حساسية: هل يمكن أن يتحمل شخص مسؤولية جنائية عن أفعال ارتُكبت باستخدام خط مسجل باسمه، رغم عدم حيازته أو استخدامه فعلياً؟

قضية «خط التليفون»

بلغ الجدل ذروته مع إعادة تسليط الضوء على قضية الطالب عمرو عمارة من محافظة الشرقية، المعروفة إعلامياً باسم «خط التليفون المحمول أو شحنة البصل»، بعد تصديق محكمة مصرية على حكم بالسجن المؤبد بحقه.

وبحسب ما نقلته وسائل إعلام محلية عن شقيقته خلود، فإن شريحة هاتف مسجلة باسم شقيقها أسهمت في إدخاله طرفاً في القضية، بعدما كان قد استخرج الخط لصالح أحد معارفه، قبل أن يُستخدم لاحقاً في القضية دون علمه، وفق رواية الأسرة.

وتسببت الواقعة في إعادة طرح التساؤلات حول مدى كفاية بيانات تسجيل الخط وحدها لإثبات علاقة الشخص بالأفعال التي تتم من خلاله، خصوصاً عندما يؤكد صاحب البيانات أنه لم يكن يحوز الشريحة أو يستخدمها.

«تنظيم الاتصالات»: التسجيل وحده لا يعني المسؤولية

وفي مواجهة حالة القلق المتزايدة، أصدر الجهاز القومي لتنظيم الاتصالات بياناً أوضح فيه الإجراءات التي يمكن للمواطن اتباعها حال اكتشاف خط مسجل باسمه ولا يخصه.

وأكد الجهاز أنه يحق لأي مواطن يجد خطاً مسجلاً باسمه دون علمه التقدم بشكوى إليه، ليتولى فحصها والتحقق من سلامة إجراءات تسجيل الخط ومدى التزام شركة الاتصالات بالضوابط التنظيمية، واتخاذ الإجراءات اللازمة حال ثبوت وجود مخالفة.

وأشار إلى أن المواطن يظل من حقه أيضاً إبلاغ جهات التحقيق المختصة إذا رأى أن الواقعة تستوجب ذلك.

وشدد الجهاز على أن مجرد تسجيل خط هاتف محمول باسم شخص لا يرتب بذاته مسؤوليته عن الأفعال التي تتم باستخدامه، متى ثبت أن الخط لا يخصه أو لم يكن في حيازته أو تحت سيطرته الفعلية.

وأوضح أن المسؤولية القانونية شخصية، ولا يجوز إسناد الأفعال إلى شخص لم يرتكبها، بينما يتم تحديد المسؤول الحقيقي في ضوء الوقائع والأدلة ونتائج التحقيقات، مع التأكيد على اختصاص جهات التحقيق والقضاء بتقدير الأدلة وتحديد المسؤولية وفقاً للقانون.

مراجعة إجراءات التسجيل والتحقق من الهوية

وأكد الجهاز القومي لتنظيم الاتصالات أنه يواصل مراجعة وتطوير الضوابط المنظمة لتسجيل وتفعيل خطوط الهاتف المحمول، إلى جانب تشديد أعمال المراجعة والتفتيش على شركات الاتصالات واتخاذ الإجراءات والجزاءات المقررة بحق أي جهة تثبت مخالفتها للقواعد.

كما يعمل الجهاز على تعزيز وسائل التحقق من هوية المستخدمين، ومن بينها منظومة التحقق البيومتري، بهدف رفع مستوى دقة البيانات وتعزيز أمن وسلامة خدمات الاتصالات.

ودعا الجهاز المواطنين إلى الاستعلام بصورة دورية عن الأرقام المسجلة بأسمائهم عبر تطبيق My NTRA، والإبلاغ فوراً عن أي خط غير معلوم لهم.

البرلمان: الهوية الرقمية هي الحل الجذري

من جانبها، قالت وكيل لجنة الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات بمجلس النواب المصري النائبة مها عبد الناصر، إن ملف خطوط المحمول المسجلة بأسماء المواطنين سبق أن نوقش خلال دور الانعقاد الماضي.

وأوضحت أن الجهاز اتخذ إجراءات في هذا الملف منذ عام 2017، لكنها لم تُنفذ بنسبة 100%، وهو ما دفع إلى إطلاق تطبيق My NTRA لمساعدة المواطنين على معرفة الخطوط المسجلة بأسمائهم.

وترى عبد الناصر أن الحل الجذري للمشكلة يتمثل في إطلاق منظومة الهوية الرقمية (eKYC)، التي كان مقرراً تفعيلها خلال شهر على مستوى جميع شركات الاتصالات في مصر.

وتعتمد المنظومة على تصوير المستخدم عبر الكاميرا ومطابقة صورته مع بيانات بطاقة الرقم القومي والخط، بما يمنع تفعيل أي خط مستقبلاً دون التحقق الكامل من هوية صاحبه.

كيف يلغي المواطن خطاً لا يعرفه؟

وبينما لم تدخل منظومة الهوية الرقمية حيز التنفيذ بصورة كاملة، أوضحت النائبة مها عبد الناصر أن هناك إجراءً يمكن للمواطن اتخاذه حالياً إذا اكتشف وجود خط مسجل باسمه دون علمه.

ويتمثل الإجراء في التوجه إلى فرع شركة الاتصالات المسجل لديها الخط، وتقديم «إقرار إنكار حيازة»، يتولى موظف الشركة إثبات عدم علاقة المواطن بالخط، مع حصوله على نسخة من المستند بعد اعتماده من مدير الفرع.

وبحسب ما أوضحته عبد الناصر، يفترض أن يتم إيقاف الخط خلال 24 ساعة من استكمال هذا الإجراء.

وشددت على ضرورة التفرقة بين ملكية الخط من الناحية التسجيلية وبين حيازته واستخدامه فعلياً، مؤكدة أن المسؤولية الجنائية لا تُحدد بمجرد ظهور اسم الشخص على بيانات الخط، وإنما بناءً على وقائع الاستخدام الفعلي، بما في ذلك مكان استخدام الخط والرسائل والنشاط المرتبط به.

واقعة الفنانة إيناس عز الدين

ولم تتوقف الحالات المتداولة عند المواطنين العاديين، إذ اكتسبت القضية بعداً إعلامياً واسعاً عقب تقدم الفنانة المصرية إيناس عز الدين ببلاغ رسمي ضد إحدى شركات الاتصالات.

وقالت الفنانة إنها اكتشفت وجود خطوط مسجلة باستخدام رقمها القومي لصالح إحدى الجمعيات الخيرية، دون علمها أو توقيعها على أي عقد.

كما اكتشف زوجها، بحسب ما أعلنته، تسجيل 5 خطوط باسمه، رغم أنه لا يمتلك سوى خط واحد منها.

وأعلنت عز الدين عبر صفحتها على «فيسبوك» عزمها الطعن على التوقيعات المنسوبة إليها، واتهام الشركة باستغلال بيانات هويتها الشخصية، في واقعة أضافت بعداً جماهيرياً إلى أزمة تسجيل شرائح المحمول.

هل تعود المشكلة إلى ما قبل 2015؟

ويرى خبراء أن جزءاً من المشكلة قد يعود إلى ممارسات قديمة في سوق الاتصالات المصرية.

وقال وليد حجاج، خبير أمن المعلومات، إن نسبة كبيرة من الخطوط المسجلة حالياً قد تعود إلى فترة ما قبل عام 2015، عندما كان بعض وكلاء شركات الاتصالات يبيعون شرائح مفعلة باستخدام بطاقات أرقام قومية دون علم أصحابها، وفقاً لتقييمه.

وأضاف أن شركات الاتصالات أوقفت هذه الممارسة عبر الوكلاء بعد عام 2015، لكن ما وصفه بـ«الإرث» القديم من الخطوط لا يزال قائماً، وهو ما قد يفسر اكتشاف بعض المواطنين وجود أرقام مسجلة بأسمائهم بعد سنوات من تسجيلها.

من جانبه، رأى خبير تكنولوجيا المعلومات محمد عزام أن المشكلة تتجاوز إجراءات بيع الشرائح إلى ظاهرة أوسع تتعلق بما وصفه بـ«فوضى تداول بيانات المواطنين».

وأشار إلى أن مواطنين يسلمون بصورة يومية صور بطاقات الرقم القومي عبر تطبيقات المراسلة لإنجاز معاملات روتينية، وهو ما قد يفتح المجال أمام تسرب البيانات الشخصية وإساءة استخدامها.

لجنة الاتصالات تتحرك

وفي تحرك برلماني موازٍ، أكد رئيس لجنة الاتصالات بمجلس النواب النائب أحمد بدوي، أن اللجنة تلقت شكاوى مباشرة من مواطنين بشأن ظهور خطوط مسجلة باستخدام أرقامهم القومية دون أن يكونوا قد اشتروها أو تعاقدوا عليها.

وأوضح أنه لا توجد خطوط هاتف محمول تعمل بصورة قانونية «دون تسجيل»، مؤكداً أن جوهر المشكلة يتمثل في عدم تطابق بيانات الشخص المسجل باسمه الخط مع المستخدم الفعلي له.

وتفتح الأزمة الحالية ملفاً أوسع يتعلق بحماية البيانات الشخصية وآليات التحقق من هوية مستخدمي خدمات الاتصالات في مصر، في ظل الاعتماد المتزايد على الهواتف المحمولة في المعاملات اليومية والاتصالات الرقمية.

وبين تحركات الجهاز القومي لتنظيم الاتصالات، والإجراءات البرلمانية، والاستعداد لتطبيق منظومة الهوية الرقمية، يبقى الإجراء الأهم المتاح للمواطن حالياً هو مراجعة الأرقام المسجلة باسمه عبر تطبيق My NTRA، والإبلاغ فوراً عن أي خط لا يعرفه، منعاً لاستمرار استخدامه بصورة قد تضع بياناته الشخصية في دائرة الشبهات أو النزاعات القانونية.

وفي جميع الأحوال، يؤكد الجهاز القومي لتنظيم الاتصالات أن ظهور اسم المواطن على بيانات خط لا يخصه لا يعني تلقائياً مسؤوليته عن أي نشاط يتم من خلاله، إذ تظل المسؤولية القانونية مرتبطة بالأدلة ووقائع الاستخدام الفعلي، وتخضع في النهاية لتقدير جهات التحقيق والقضاء.