أدّت السياسة العامة للتعليم دوراً تاريخياً مهماً في مرحلة تأسيس الدولة الحديثة، وأسهمت في رسم ملامح المنظومة التعليمية لعقود طويلة، وكانت وثيقة متقدّمة بمعايير زمنها، حملت أهدافاً واضحة، وحدّدت المرتكزات العامة التي انطلقت منها مسيرة التعليم في المملكة.
أكثر من خمسين عاماً مضت منذ صدور السياسة العامة للتعليم (صدر عام 1389هـ) وإحلال نظام حديث للتعليم العام محلها، شهدت بلادنا خلالها تحوّلات كبرى في البناء المؤسسي، والتشريع، والإدارة، والاقتصاد، والتقنية، ومن الطبيعي أن يُعاد بناء الإطار النظامي للتعليم بما ينسجم مع هذه التحوّلات بإحلال نظام حديث للتعليم العام محل السياسة العامة للتعليم التي صدرت قبل 50 عاماً (1389هـ).
ولعل أول ما ينبغي التأكيد عليه أن القرار لا يتناول فلسفة التعليم ولا ثوابته، وإنما يتناول الإطار النظامي الذي يحكم إدارته.
إن المتأمل في أهداف النظام الجديد يلحظ انتقالاً من مرحلة «التوجيه العام» إلى مرحلة «الحوكمة المؤسسية». فالنظام لا يكتفي برسم المبادئ، بل يؤسّس لبنية تنظيمية تحدد الصلاحيات، وتوزع المسؤوليات، وتوضح الحقوق والواجبات، وتعزّز المساءلة، وتربط جودة التعليم بمؤشرات أداء قابلة للقياس والتقويم.كما أن فتح المجال بصورة منظمة أمام القطاعين الخاص وغير الربحي للمشاركة في تطوير التعليم يعكس توجهاً وطنياً نحو توسيع الشراكات، واستثمار الخبرات، وتنويع فرص التعلّم، مع احتفاظ الدولة بدورها في التنظيم والإشراف وضمان جودة المخرجات. وهو توجّه يتسق مع مستهدفات «رؤية 2030» التي تنظر إلى التعليم بوصفه استثماراً في الإنسان، وأحد أهم ممكّنات التنمية المستدامة.
ومن الجوانب اللافتة في النظام الجديد منح مجلس شؤون التعليم العام صلاحيات تنظيمية لإصدار اللوائح التنفيذية، وهو ما يمنح المنظومة مرونة أكبر في مواكبة المتغيّرات، ويجعل تحديث الإجراءات أكثر سرعة وفاعلية، بعيداً عن الجمود الذي قد تفرضه الوثائق العامة الممتدة لعقود طويلة.
إن الدول التي تتطلع إلى المستقبل لا تكتفي بتطوير المباني والمناهج والتقنيات، بل تبدأ بتطوير الأنظمة التي تدير تلك المنظومات.
ويبقى التعليم، في كل الأحوال، مشروعاً وطنياً تتجاوز قيمته حدود الفصول الدراسية، فهو الاستثمار الأعمق في الإنسان، والضامن لاستمرار التنمية، وصانع الوعي، وحامل الهوية. أما الأنظمة، فهي وسائل تتجدّد كلما تطلبت المصلحة العامة ذلك، ليبقى الهدف واحداً: تعليم أكثر جودة، ومنظومة أكثر كفاءة، ووطن أكثر قدرة على صناعة مستقبله.