ليست رغدان مجرد قرية على خريطة الوطن، بل هي مكان يسكن القلب قبل أن يسكن الذاكرة. فيها عشت أجمل سنوات العمر، وعلى أرضها وُلدت حكايات لا تزال تنبض بالحياة كلما مر اسمها في خاطري.
أشتاق إلى رغدان لأن فيها وجه أمي، رحمها الله. هناك كانت صباحاتنا تبدأ برائحة الخبز التي تفوح من يديها، وحول مائدة الإفطار كانت تجمعنا المحبة قبل الطعام. وفي لياليها الهادئة، كان ضوء القمر يزيد المكان دفئاً، وكأن كل زاوية فيه تحفظ شيئاً من ابتسامتها وحنانها.
رحلت أمي، لكن أثرها لم يرحل. فما زالت جدران بيتنا القديم تحتفظ بصدى ضحكاتها، وما زالت تفاصيل المكان تستحضر حضورها، حتى أصبحت ذكراها جزءاً من هوية رغدان في قلبي، فلا أستطيع أن أذكر القرية دون أن تحضر أمي، ولا أن أستعيد أمي دون أن تعود رغدان بكل تفاصيلها.
كانت رغدان -وما زالت- مثالاً للجمال الطبيعي والألفة الإنسانية. عرف أهلها بالمحبة والتكاتف، وكانت البساطة عنوان حياتهم، فتوثقت روابط الجيرة، وتقاسمت القلوب الأفراح والأحزان، حتى غدت القرية أسرة واحدة تجمعها المودة قبل النسب.
ومع مرور الأعوام، شهدت رغدان نهضة عمرانية وتنموية كبيرة، لكنها لم تتخلَّ عن روحها الأصيلة. فما زالت طبيعتها الساحرة، وهدوء أجوائها، وعبق تراثها، تمنح زائريها شعوراً نادراً بالسكينة، لتبقى واحدة من أجمل وجهات منطقة الباحة وأكثرها ارتباطاً بالذاكرة.
ورغم تغير الزمن، تبقى بعض الأماكن أكبر من أن يغيّرها الوقت. ورغدان بالنسبة إليّ واحدة من تلك الأماكن؛ فهي ليست مجرد قرية، بل وطن صغير يحتضن طفولتي، ويختزن أجمل أيامي، ويحفظ أغلى الذكريات.
وسيظل الشوق إليها يتجدد كلما مر الزمن، ويكفيني أنها تحتضن في ثراها أمي الحبيبة، رحمها الله. فهناك تركت قطعة من قلبي، وهناك أدركت أن للأماكن أرواحاً، وأن روح رغدان ستظل تسكنني ما حييت.