منذُ وقتٍ بعيدٍ وأنا أكرهُ فكرةَ الحدود

منذُ كنتُ طفلًا

في الصفِّ الابتدائي

حين استيقظتُ صباحًا

وسألتُ عن أختي الكُبرى

فقالوا:

تزوّجتْ

بعيدًا... بعيدًا

نهضتُ من فراشي

وحبَوتُ على الأرض

أجرُّ حذاءَ أبي الكبير

أضربُ به المسافة

تلك التي تبعدني عن أختي

والتي لطالما أردت كسرها بضربةِ حذاء

في ليلةٍ ما

طرقَ بابَنا مُعلّم الجغرافيا

قال لأبي

ابنكَ كسول

لا يفهم المسافات والحدود

غضبَ أبي

ناداني

أحضرَ كتابَ الجغرافيا

جلستُ أمامهُ

كمن يجلسُ أمام جبلٍ

يكفيهِ سحب خيطٌ واحد من ثوبهِ

وينفجر

فتحَ الكتابَ بعصبيةٍ

اختارَ نهرَ دجلة

وصاح:

أينَ حدودُ هذا النهر؟

أنزلتُ رأسي

ولم أُجب

صرخَ مرةً أخرى

صمتُّ

رفعَ قبضتَهُ

عالياً

عالياً

ثم أنزلها بقوةٍ على نهر دجلة

حتى تناثرت مياهُهُ عَليَّ

ودخلت عَينيَّ

وابتلت ثيابي

هربتُ

ناداني

لم ألتفت

وبينما كان جدولُ الضربِ قُربهُ

ألتقط الرقمَ اثنين بسرعة

وقذفهُ نحوي

انحنيتُ

فنجوتُ

رمى الرقمَ أربعة

أصابني

غرسَهُ في جسدي

وتركني أحملهُ معي

في المدرسةِ

حينَ تطلب المعلِّمةُ جمعَ رقمين

لمْ أكنْ أرفعُ إصبعي

كنتُ أرفعُ قميصي

اخلع الرقمَ أربعة المغروسة في لحمي

أمسحُ الدمَ عنها

وألصقُها على السبورة

كانَ الأطفالُ يتبوّلونَ خوفاً

وكانت المعلمة تطردني إلى الشارع

الآن

بعدَ أنْ كبرتُ

وتأكَّدَ الجميعُ أنَّ جسدي صارَ ممتلئاً بالأرقام

زوجوني

تأخذني زوجتي كثيرًا

إلى طبيبِ العيون

أسمعُها تسألهُ:

متى موعدُ سَحب الماءِ القادم ؟

يهمسُ لها الطبيب:

كُلما سمعتِ

نهرَ دجلةَ

أوشك

أن

يَجفّ.......