في زحام الأخبار، مرّ خبر وفاة معالي الدكتور بكر عبدالله بن بكر، مدير جامعة الملك فهد للبترول والمعادن الأسبق، رحمه الله، بهدوء لا يليق برجل كان في زمنه أحد أبرز الوجوه الأكاديمية في المملكة.
وما إن قرأت الخبر حتى وجدتني لا أستحضر سيرته وحدها، إنما أستحضر زمنًا كاملًا كان فيه مدير الجامعة شخصية وطنية معروفة، وصاحب حضور يتجاوز أسوار الحرم الجامعي إلى المجتمع بأسره.
من عاش مرحلة الثمانينيات والتسعينيات، فقد استعاد اسمًا كان يمثل جيلًا كاملًا من القيادات الجامعية التي لم تكن تدير الجامعات فحسب، بل كانت جزءًا من المشهد الوطني والثقافي والاجتماعي.
ذلك الخبر أعاد إلى ذهني سؤالًا ظل يرافقني منذ سنوات: لماذا لم نعد نعرف رؤساء جامعاتنا كما كنا نعرفهم في الماضي؟
قبل ثلاثة أو أربعة عقود، لم يكن مدير الجامعة مجرد مسؤول إداري يوقع القرارات ويترأس المجالس. كان رمزًا علميًا، وصوتًا فكريًا، وقائدًا تربويًا، وشخصية عامة يعرفها الناس كما يعرفون الوزراء وكبار المسؤولين. كانت صورته مألوفة في الصحف، واسمه يتردد في نشرات الأخبار، وكلماته تحظى بالاهتمام، وحضوره في المناسبات العلمية والثقافية يحظى بالمتابعة والتقدير.
من عاش تلك المرحلة يتذكر بسهولة أسماء مديري الجامعات الكبرى في المملكة. جامعة الملك سعود، وجامعة الملك عبدالعزيز، وجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، وجامعة الملك فهد للبترول والمعادن، وجامعة أم القرى، وجامعة الملك فيصل، والجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة. لم تكن تلك الجامعات مجرد مؤسسات تعليمية، كانت لكل واحدة منها شخصية وهوية، وكان مديرها جزءًا من هذه الهوية، وأحد أبرز من يمثلها أمام المجتمع.
أما اليوم، فقد تضاعف عدد الجامعات، وتوسعت إمكاناتها، وارتفعت ميزانياتها، وتقدمت في التصنيفات العالمية، وحققت منجزات بحثية وعلمية نفخر بها جميعًا. ومع ذلك، فإن كثيرًا من المواطنين، وحتى بعض طلاب الجامعات أنفسهم، قد لا يعرفون اسم رئيس الجامعة التي يدرسون فيها، فضلًا عن صورته أو سيرته العلمية أو مشروعه القيادي.
ليس هذا انتقاصًا من رؤساء الجامعات الحاليين، فبينهم علماء مرموقون، وأكاديميون مشهود لهم بالكفاءة، وقيادات تمتلك خبرات دولية رفيعة. لكن القضية ليست في الأشخاص، ولكن في المكانة التي أصبح يشغلها رئيس الجامعة في الوعي العام.
فما الذي تغيّر؟
هل أصبحت الجامعات مؤسسات ضخمة تبتلع حضور قادتها؟ أم أن الإدارة اليومية وتعقيداتها استهلكت وقت رئيس الجامعة، فلم يعد قادرًا على ممارسة دوره الفكري والثقافي؟ أم أن الإعلام الجامعي انشغل بالأخبار والاتفاقيات والمذكرات، وأغفل التعريف بالإنسان الذي يقود هذه المؤسسة؟ أم أن المجتمع نفسه لم يعد يمنح القيادات الأكاديمية المساحة التي كان يمنحها في السابق؟
ربما اجتمعت هذه الأسباب كلها.
لكن المؤكد أن الجامعة لا تحتاج إلى إدارة ناجحة فقط، تحتاج أيضًا إلى قيادة ملهمة. فالجامعة ليست مباني وقاعات ومعامل ومؤشرات أداء، وإنما مشروع حضاري يقوده عقل يمتلك رؤية، ويستطيع أن يحاور المجتمع، وأن يلهم الشباب، وأن يقدم نموذجًا للعالم والمفكر والإداري في آنٍ واحد.
في الجامعات العالمية المرموقة، كثيرًا ما يكون رئيس الجامعة شخصية عامة، يُستضاف في وسائل الإعلام، ويكتب المقالات، ويشارك في النقاشات الوطنية، ويُسهم في تشكيل الرأي العام في القضايا التي تمس التعليم والبحث والابتكار ومستقبل الأجيال. لأن المجتمع لا يرى فيه موظفًا حكوميًا، يراه قائدًا فكريًا يقود إحدى أهم مؤسسات بناء الإنسان.
أما نحن، فقد أصبحنا للأسف نعرف أسماء بعض المؤثرين في وسائل التواصل الاجتماعي أكثر مما نعرف أسماء من يقودون جامعاتنا. وهذا ليس تقليلًا من أحد، لكنه يعكس خللًا في ترتيب الاهتمام المجتمعي، وربما في طريقة تقديم هذه القيادات للرأي العام.
إن بناء الصورة الذهنية لرئيس الجامعة ليس ترفًا إعلاميًا، ولا بحثًا عن الشهرة، هو جزء من بناء الثقة بالمؤسسة نفسها. حين يعرف الطالب من يقود جامعته، وما إنجازاته، وما رؤيته، وما مسيرته العلمية، فإنه يشعر بانتماء أكبر، ويجد أمامه قدوة حقيقية صنعتها المعرفة والاجتهاد، لا الصدفة ولا الشهرة العابرة.
ولعلنا اليوم، ونحن نودع أسماء بحجم الدكتور بكر عبدالله بن بكر، لا نحتاج إلى استذكار إنجازاتهم فحسب، نحتاج إلى استعادة الفكرة التي كانوا يمثلونها. فكرة أن الجامعة كانت تمتلك وجهًا يعرفه الناس، وصوتًا يسمعونه، ورمزًا يثقون به.
لقد تغيرت الجامعات كثيرًا، وهذا أمر طبيعي، لكن لا ينبغي أن يكون ثمن هذا التطور غياب الشخصية الأكاديمية عن المشهد الوطني. فكل جامعة عظيمة تحتاج إلى قيادة عظيمة، وكل قيادة عظيمة تحتاج إلى حضور يليق بمكانتها ورسالتها.
ويبقى السؤال الذي يستحق أن يُطرح بصراحة: هل المشكلة أن رؤساء الجامعات أصبحوا أقل حضورًا، أم أننا توقفنا عن تقديمهم للمجتمع بوصفهم قادة للفكر والعلم، لا مجرد مسؤولين في الهيكل الإداري؟
الإجابة عن هذا السؤال قد تكون بداية الطريق لاستعادة واحدة من أهم صور القوة الناعمة التي امتلكتها الجامعات السعودية عبر تاريخها؛ يوم كان مدير الجامعة اسمًا يحفظه الناس، وصورةً يعرفونها، وقامةً علميةً يفخر بها المجتمع.