حققت بلادنا في العقود الماضية قفزات نوعية في مؤشرات الصحة، بفضل ما وفرته من استثمارات سخية في المستشفيات والمراكز الصحية والخدمات العلاجية، إلا أن هذه الإنجازات لم تكن وليدة الطب العلاجي وحده، بل جاءت أيضاً نتيجة الدور المحوري الذي أدته برامج الصحة العامة، مثل التطعيمات، وتحسين البيئة الصحية، والتثقيف الصحي، وصياغة السياسات الصحية السليمة.

ورغم هذا النجاح، ظل الاهتمام المؤسسي بالصحة العامة أقل من مستوى التحديات المتزايدة. فقد تركزت الخطط والموارد والوظائف الصحية لعقود على الجانب العلاجي، في حين بقيت مجالات الصحة العامة والوقاية وتعزيز الصحة تعاني نقصاً في الكوادر والهيكلة الإدارية والاهتمام المؤسسي.

واليوم، ومع تنامي الأمراض المزمنة، وظهور الأوبئة المستجدة، وازدياد أعداد كبار السن، واستقبال المملكة ملايين الحجاج والمعتمرين سنوياً، أصبحت الحاجة إلى منظومة قوية للصحة العامة أكثر إلحاحاً من أي وقت مضى.

إن حماية صحة المجتمع مسؤولية تتجاوز حدود المستشفيات والعيادات، فهي ترتبط أيضاً بالتعليم، والبيئة، والنقل، والإسكان، والغذاء، والعمل، وكل السياسات الحكومية التي تؤثر في صحة الإنسان.

ومن هنا جاءت الدعوة إلى إنشاء كيان مستقل يُعنى بالصحة العامة، تكون مهمته مراقبة تأثير السياسات الوطنية على صحة السكان، وتعزيز الوقاية وقيادة برامج الصحة العامة، بما يضمن أن تكون صحة الإنسان محوراً رئيساً في جميع القرارات التنموية.

إن الاستثمار الحقيقي ليس في علاج المرض بعد حدوثه، وإنما في الوقاية منه قبل وقوعه. فالصحة العامة ليست عبئاً على الاقتصاد، بل هي أحد أهم محركات التنمية المستدامة، والضمان الحقيقي لمجتمع أكثر صحة وجودة حياة.