وَدّعت بلدةُ الشُقّة شمال القصيم شيخاً من شيوخها البررة ورمزاً من أعيانها الكرام، ووارت الأرضُ جسداً طالما عَمَرها بالخير، وسارت خطاه على ثراها بِرّاً وعطاءً، فبكاه كل من عرف له فضلاً، وترحّم عليه كل من ذاق من كرمه أو استظلّ بظِلّه.


الشيخ صالح المحمد الأحمد القصيّر (1346- 1448 هـ) اسمٌ ارتبط بالبر والأصالة منذ نعومة أظفاره حتى لقي ربه شيخاً جليلاً وقوراً، طويل العمر مديد الأثر، حَمَلَته الأيام على كتفيها فأرته من عهود هذه البلاد ما لم يَره كثيرون؛ شاباً أدرك عهد الملك المؤسس عبدالعزيز عبدالرحمن - طيّب الله ثراه - وشهد بأمّ عينيه مسيرة هذه الدولة المباركة وهي تكبر وتزدهر في عهود ملوكها جميعاً، حتى بلغ هذا العصر الميمون في ظل مولاي خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز، وسموّ سيدي ولي عهده الأمين الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز، حفظهما الله تعالى، فكانت حياته بحقّ، مرآةً صادقة لتاريخ هذه الأرض المباركة، وكان محدثاً في مجلسه عن سيرتها وعزها ومجدها، بعد أن أكسبه الترحل والاغتراب في أنحاء المملكة في بداية نشأته تجربة مختلفة زادته بسطة في الرأي والتجربة، وسعة الأفق والتحليل وبعد النظر.


ولد في العقد الرابع من القرن الهجري الماضي، ونشأ في بلدته الشُقّة التي قال في عيون مائها امرئ القيس:


تَيَمَّمَتِ العَينَ الَّتي عِندَ ضارِجٍ... يَفيءُ عَلَيها الظِلُّ عَرْمَضُها طامِي


حتى غادرها في مقتبل عمره إلى الرياض يطلب الرزق كما يطلبه الرجال، كما حملته قدماه - آنذاك - إلى عدد من مدن المنطقة الشرقية حين بدأت تنهض إلى ملحمة التنمية، وتفتح للناس أبواب العمل والعمران وسُبل التجارة، ثم ترك خلفه هناك شقيقه الشيخ الوجيه عبدالعزيز المحمد القصيّر بالدمام؛ إذ إن القلب الأبيّ لصالح المحمد القصيّر، صمّم إلا أن يعود؛ فطوى المسافات، وترك خلفه ما ترك من أسباب الدنيا، ليكون قريباً من والديهِ.. والده محمد الأحمد القصيّر ووالدته فاطمة بنت محمد البراك رحمهما الله، يخدمهما مباشرة بيديه ويقوم على شؤونهما، ويؤنسهما بقربه، حتى عبرت عنه والدته أنه هو مرآتها وحاجتها؛ ولم يبرح جوارهما أبداً حتى واراهما التراب في مقبرة آبائه وأجداده في بلدته الشًقّة؛ إذ كان في ذلك -رحمه الله- أنموذجاً ومثالاً لبرٍّ منقطع النظير بوالديه.


ولزم بعدهما وحتى آخر يوم من عمره مزرعة أسلافه «الحويطة» في الشّقة، يرعاها كما يرعى الوالد فِلذات كبده، ويستقبل في مجلسها العامر ضيوفها بوجهٍ بشوش لا يعرف المَلَل ولا الكَلَل. وكانت داره ومزرعته دائماً منارتين اثنتين، لا تخبو نيرانهما: منارة يستضيء بها طلابه، ومنارة للأصالة والكرم والتراث يقصدهُما ضيوفه وعابرو سبيله.


وأما العلم، فحدِّث عنه ولا حرج؛ فقد كان له فيه هَوَسٌ مبكر وحبٌّ صادق للمعرفة، حتى إنه بادر واقتطع من دارته في وقت مبكر من حياته في الشُقّة شطراً قلّصها عن أهله وبنيه ثم جعلها مدرسةً نظامية فور نشأة التعليم النظامي، رغبة أن يتعلم فيها أبناء بلدته، وإيماناً عميقاً منه أن نور العلم لا يليق أن يُحتكر أو يُطفأ، بل يجب أن يُبذل كما يُبذل الطعام للجائع والماء للظمآن. وأما المنارة الأخرى فهي الكرم والتراث أو «عطايا الله» أي الإبل، فكانت عشقه الذي لم يبارحه، يقتنيها ويجاورها ضمن أسواره، ويتفرّس في أمرها، وله فيها بصرٌ نافذ، وبصيرة لا تُجارى في شؤونها كافة.


ولعل أعظم ما تحفظه له الأيام، وأعزّ ما يُروى في سيرته، أنه كان السند الأول والداعم الأكبر لابنه البِكر، الهُمام والحبرُ المِفضال فضيلة والدي العلامة الشيخ عبدالله القصير، رحمه الله، باشر وأحسن تأسيسه وتعليمه؛ مذ كان يافعاً يحبو نحو العلم، حتى غدا عالماً جليلاً يُدرّس علوم الدين والشريعة الوسطية في حِلقِ الفضل والعلم بالحرمين الشريفين، وجامع الإمام تركي بن عبدالله رحمه الله بالرياض، إضافة لما أسند إليه من تدريس الصقور البواسل في كليات الملك عبدالعزيز الحربية، والملك فهد الأمنية، وكذلك طلبة العلم في كليات الشريعة وأصول الدين والدعوة بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، عدا عن الجوامع والمساجد التي احتضنت حلقات دروسه بمدينتي مكة المكرمة والرياض، وحتى أن خُلِّد اسمه في ميادين العلم الشرعي في الرئاسة العامة للبحوث العِلمية والإفتاء ووزارة الشؤون الإسلامية والدعوة والإرشاد. فكان الأب صالح المحمد القصيّر يزرع بصبرٍ وأناة، والابن عبدالله بن صالح القصيّر يُثمر بعلمٍ ونور، وكلاهما عن الآخر لا ينفكّ - بإذن الله - في ميزان الأجر والثواب.


تزوج الجّد صالح المحمد الأحمد القصيّر - رحمه الله تعالى - من جدتي لوالدي صاحبة النور التمام والفضل الأعمّ الأم حصّة الصالح المحمد البراك، رحمها الله وأسكنها فسيح جنانه، وكذلك من المرأة الوفية التقية الصالحة أم عبدالرحمن فاطمة بنت عبدالرحمن العيسى الرميح، حفظها الله ومتّعها بموفور الصحة والعافية، وترك من بعده إخوته الرجال الصالحون الشيخ عبدالعزيز المحمد القصيّر بالدمام، والشيخ عبدالرحمن المحمد القصيّر ببريدة، وأبناءً بررة يحملون اسمه وسماته بفخر: إبراهيم، وعبدالعزيز، وأحمد، وعبدالرحمن، وبنات كريمات يُكملن مسيرة أبيهنّ في الخير والبرّ والوفاء.


وفي فجر يوم الأحد، الثاني عشر من صفر لعام 1448هـ، الموافق السادس والعشرين من يوليو 2026م، أسلم الجدّ الجليل صالح المحمد القصيّر روحه الطاهرة لبارئها، بعد عمرٍ طويل قضاه بين خدمة والديه، وعمارة أرضه، والبذل وإعانة طلاب العلم ونشر المعرفة، فمضى إلى ربه راضياً مرضياً، تارِكاً خلفه إرثاً من البِرّ والكرم لا تبليه الأيام ولا تطويه السنين.