لا تعتبر الحرب الحالية مجرد محطة في صراع بدأ منذ العام ١٩٧٩ بين إيران وما حملته في دستورها لتفرضه على العالم لجهة تصدير الثورة تحت عنوان «المساندة ضد المستكبرين»، وبين الولايات المتحدة الأمريكية وما تمثّله من قوة تقود النظام العالمي بشكله الحالي، فلا يمكن قراءة ما يجري اليوم في المنطقة على أنه جولة جديدة في الصراع الدائر والذي اعتادت الولايات المتحدة الأمريكية فيه استخدام «الدبلوماسية القسرية» في التعامل مع إيران، أي الضغط العسكري أو التلويح به وفي الوقت نفسه فتح باب التفاوض، والهدف دائما تغيير سلوك النظام الإيراني الذي لا يكتفي بطموحه بفرض نفوذه على دول المنطقة. فإيران، كما وصفها عميد وعرّاب الدبلوماسية الغربية هنري كيسينجر تقدم نموذجا مزدوجا يهدد ويتحدى النظام العالمي، فهي من جهة تتصرف كدولة شرعية ذات سيادة تمارس الدبلوماسية التقليدية وتستند إلى الضمانات التي يوفرها النظام العالمي وفي الوقت نفسه تنشئ وتنظم وتدعم مجموعات مسلحة تريد الهيمنة في دولها استنادا إلى معتقدات جهادية.
إن مشهد الحرب في المنطقة بتداخلاتها السياسية يشكل الممر الذي من خلاله إعادة تشكيل النظامين الإقليمي والعالمي. فعندما أطلق الرئيس الأمريكي دونالد ترمب الشعار الأمريكي التاريخي «السلام بالقوة» (كان قد أطلقه الرئيس الأمريكي السابق رونالد ريغان وآخرون) عقب فوزه في الانتخابات الرئاسية، إنما كان يختصر أو يوصف سياسته الخارجية. فترمب يريد إعادة تشكيل النظام العالمي بما يؤمن ويخدم المصالح الأمريكية في العالم ويعيد الدور الأمريكي الذي فقد بعضا من هيبة نفوذه لسنوات ما سمح بصعود أكبر لمنافسي ترمب خاصة الصين. غير أن هذا الدور الذي يريد استعادته ترمب لن يكون كما عرفه العالم تقليديا، وهنا أستعيد ما يردده دائما بأن أمريكا لن تحارب عن العالم، بل ستعمل على استقطابهم إلى ميادينها وتحت مظلّتها طبعا باسم الشعار الآخر الذي أطلقه هو «تقاسم الأعباء» (sharing burdens) وتحديدا فيما يخص دور الدول الأوروبية والناتو. فعلى سبيل المثال لا الحصر، يريد ترمب من الدول الغربية مشاركته عسكريّا في حربه على إيران لتأمين مضيق هرمز كونهم المستفيدين الأكبر منه مستفيدين من الدعم العسكري الأمريكي، أي صفقات الأسلحة مع الأمريكيين. أيضا، أحد أهداف ترمب في سياسته الخارجية هو السيطرة على المضائق والممرات التي تشكل أهمية اقتصادية للولايات المتحدة الأمريكية وذلك تحت عنوان حمايتها من أي «عدوان محتمل» وأيضا بدعوة الدول للسماح بالقواعد الأمريكية والاستثمار في الترسانة العسكرية الأمريكية. وتشكل هذه النقطة، أي شراء الأسلحة الأمريكية والسماح بالقواعد الأمريكية في أوروبا وعلى حدود الصين وروسيا وكندا والاستفادة من القدرات الأمريكية هو الظل الأمريكي الذي يريده ترمب.
في الشرق الأوسط، يريد ترمب الانتهاء من النموذج الذي يشكله النظام الإيراني، وهو نموذج لم يعد يهدد فقط المصالح الأمريكية، بل كل دول المنطقة وطبعا يزعج إسرائيل. لكن تسديد الضربة القاضية للنظام الإيراني لن يتم إلا بعد أن يعيد تشكيل ترمب المنطقة والعالم، وذلك عبر خلق ممرات اقتصادية بحرية جديدة تستفيد منها أمريكا وتقوض من نفوذ خصومها المتصاعد، وتريد الانتقال إلى شكل جديد في الحكم في المنطقة يقوم على تقاطع المصالح الاقتصادية. في هذا الإطار، إن القضاء على النموذج الإيراني يستوجب أيضا القضاء أو تحجيم وكلاء إيران في المنطقة كالحوثيين في اليمن والحشد الشعبي في العراق وحزب الله في سوريا. هنا، لا بد من التذكير بما قاله المبعوث الأمريكي الخاص توم براك في سوريا والعراق إلى جانب دوره كسفير أمريكي في تركيا، وهو أن هناك فرصة لاستيعاب هؤلاء في النظام الجديد كونهم يشكلون جزءا من مجتمعاتهم من خلال تحقيق الازدهار في هذه الدول وذلك بعد ضرب قدراتهم العسكرية والقضاء على مشروعهم العابر للحدود.
تدرك إيران أن هذه الحرب هي حربها الوجودية التي قد تكون الأخيرة، وهي بدل أن تتوصّل إلى تسوية لإنهاء الصراع بالالتزام بالقانون الدولي، توسّع دائرة الصراع بالاعتداء على الدول العربية حصرا. فهي لا تحاول استعداء الدول العربية وجرّها والمنظومة الدولية إلى صراعها ليس لرفع الكلفة فقط، بل تحاول استنساخ السياسة الأمريكية «السلام بالقوة» لإعادة هندسة ميزان القوى عبر ورقة مضيق هرمز لكنها في الحقيقة هي تخدم المشروع الأمريكي ليس فقط في إدخال الناتو لمحاربتها وبالتالي عزلها أكثر، بل أيضا للسيطرة على الممرات المائية حول العالم وعلى مقربة من حليفتيها روسيا والصين تحت عنوان تأمين حرية الملاحة والتجارة في هذه الممرات بفعل التجربة الإيرانية.
وفي هذه الحرب أيضا، يبرز دور وكلاء إيران وتحديدا الحوثيين، فدخولهم في هذا التوقيت لم يكن صدفة، بل هو بتوقيت على حسابات المصلحة الإيرانية لدعمها في الحرب، لكن أيضا، لمحاولة حجز موقع لهم في المعادلة في حال نجحت إيران في حفظ نظامها، واستثمار ذلك سياسيا في الداخل اليمني اقتصاديا (لا سيما بعد خسائرهم) كما سياسيا في السيطرة على الحكم. هذا الترابط بين الدور كوكيل لإيران والاستثمار الداخلي ينطبق أيضا على حزب الله والحشد الشعبي وإن تختلف مقاربتهم بسبب ارتباطهم المذهبي والعقائدي مع إيران، فتراهم يهادنون دولهم لكن في نفس الوقت يصعّدون في الخطاب الإعلامي وينتظرون إمكانية حدوث تسوية مع إيران أو ضوء أخضر عسكري لاستعادة نفوذهم داخليّا.
في المقابل، تحاول إسرائيل استغلال هذه الحرب لتكريس نفوذها في المنطقة هي الأخرى بالشراكة مع الولايات المتحدة الأمريكية رغم الاختلافات والخلافات أحيانا حول بعض المقاربات. فتحت عنوان محاربة أذرع إيران وسياسة الأمن الاستباقي التي انتهجتها بعد السابع من أكتوبر، تعمل إسرائيل على طرد الفلسطينيين من أراضيهم في الضفة الغربية وتوسيع البؤر الاستيطانية.
أمام كل هذا المشهد، تتحرّك الدول العربية بحذر وحكمة شديدين للتعامل مع التهديد الإيراني المباشر والحد من طموحات النفوذ الإسرائيلي في المنطقة من بوابة القضية الفلسطينية وفي الوقت نفسه تأمين بدائل اقتصادية وتدعيم القدرات العسكرية. وعلى الرغم من نجاح هذه الدول في إدارة المرحلة حتى هذه اللحظة، يجب على هذه الدول استثمار أوراق القوة التي تمتلكها وهي كثيرة اقتصاديا وعسكريا وسياسيا لإعادة التوازن إلى المنطقة والحد من الاعتداءات التي تحيط بها، وهذا يتطلب عدم الاكتفاء بسياسة إدارة الأزمات، لكن بامتلاك مشروع إقليمي خاص بهم.