لم تسقط مذكرة التفاهم بين واشنطن وطهران قبل انتهاء مهلة الـ60 يوماً لأن أحد طرفيها استعجل الانقلاب عليها، بل لأنها استنفدت الغاية التي ولدت من أجلها. وهنا يكمن الفرق بين من قرأها كبداية مسار سياسي جديد، ومن فهمها كمحطة مؤقتة في حرب لم تتوقف أصلاً.
بعد 40 يوماً من الحرب، كانت المنطقة بحاجة إلى هدنة. أسعار الطاقة تجاوزت التوقعات، الأسواق المالية دخلت في مرحلة ارتباك، والمخاوف بدأت تتسع من جرّ مضيق هرمز إلى مواجهة مباشرة تهدّد الاقتصاد العالمي. في تلك اللحظة، بدا واضحاً أن استمرار الحرب بالوتيرة نفسها سيجعل كلفتها السياسية والاقتصادية أعلى من مكاسبها العسكرية، لذلك جاءت مذكرة التفاهم لتجمّد الصراع، لا لتنهيه.
كثيرون تعاملوا مع المذكرة على أنها تراجع أمريكي، بل ذهب بعضهم إلى اعتبارها اعترافاً بانتصار إيران وتبدل موازين القوى في المنطقة. وسرعان ما بدا أن هذه القراءة كانت متسرعة. فالرئيس دونالد ترمب لم يُعرف يوماً بأنه يترك خصومه يحددون توقيت المعركة أو نهايتها. الرجل الذي ينظر إلى السياسة بمنطق الصفقات ويدرك أن القوة لا تعني الاستمرار في إطلاق النار، وإنما اختيار اللحظة التي يكون فيها استخدام القوة أكثر تأثيراً وأقل كلفة.
بنك الأهداف الأمريكية
خلال الأسابيع التي أعقبت توقيع المذكرة، هدأت الأسواق، وتراجعت أسعار النفط، واستعادت الإدارة الأمريكية هامش الحركة الذي كانت قد فقدته خلال الحرب الأولى. وفي الوقت نفسه، انشغل العالم بملفات أخرى، بينما كانت المؤسسات العسكرية تعيد تقييم نتائج الجولة السابقة، وتراجع ما تحقّق وما لم يتحقّق، وتعيد رسم بنك الأهداف في ضوء الدروس المستخلصة. فالحروب الكبرى تُدار بالمراحل، وما يبدو في الظاهر هدنة سياسية قد يكون في الواقع استراحة يجري خلالها التحضير للجولة التالية.
في المقابل، تعاملت طهران بدورها مع الهدوء بطريقة مختلفة. فبدلاً من استثماره لتحويل التهدئة المؤقتة إلى مسار سياسي أكثر استقراراً، رفعت نبرة خطابها إلى مستوى أوحى بأنها تعتبر نتائج المواجهة قد غيّرت قواعد اللعبة، وأن ميزان القوى بات يميل لمصلحتها. ولم يقتصر الأمر على الاحتفاء، بل امتد إلى رسائل مرتبطة بمضيق هرمز والدور الإقليمي الإيراني، وهي رسائل، وإن كانت تستهدف تثبيت معادلات ردع جديدة، فإنها منحت خصوم إيران مادة إضافية للقول إن التهديد لم يتراجع وإنما أخذ شكلاً مختلفاً.
لغز خلافات ترمب ونتنياهو
في التفاصيل أيضاً، يصعب تجاهل الطريقة التي قُرئ بها التباين بين ترمب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو. فقد سارع كثيرون إلى الحديث عن شرخ إستراتيجي بين الرجلين، وعن خلاف عميق داخل الإدارة الأمريكية نفسها بشأن استمرار الحرب. إلا أن التجربة مع الإدارات الأمريكية المتعاقبة تشير إلى أن الاختلاف في الأسلوب لا يعني بالضرورة اختلافاً في الهدف.
ولعل ما جرى خلال فترة المذكرة يؤكد هذه الفرضية. التقارير العسكرية، وحركة القطع البحرية، وإعادة التموضع في أكثر من منطقة، كلها كانت تشير إلى أن مرحلة الإعداد لجولة عسكرية جديدة لم تتوقف، بل انتقلت من العلن إلى ما وراء الكواليس. وحتى الضربات التي نُفذت لاحقاً بدت مختلفة في طبيعتها، إذ ركّزت على البنية اللوجستية وشبكات النقل وخطوط الإمداد، في إشارة إلى أن الجولة الجديدة لا تستنسخ الأولى وإنما تبني عليها. هذا التحوّل يكشف أن الجولة الحالية تبدو أقرب إلى محاولة استثمار النتائج التي خرجت بها واشنطن بعد الحرب الأولى، سواء على مستوى المعلومات الاستخباراتية أو طبيعة الدفاعات الإيرانية أو طريقة التعامل مع تداعيات أي تصعيد جديد.
فكيف ستُدار المرحلة القادمة بعد أن انتهى دور التهدئة المؤقتة، هل ستقود الحسابات الجديدة إلى جولة أكثر حسماً؟ أم إلى مسار تفاوضي بشروط مختلفة؟