لعلي في البدء أؤكد بأن التفكير الفلسفي أحد مكوّنات بل أحد محركات الوعي النقدي في أذهاننا، إذ إن الوعي النقدي لا يمكن إلّا أن يكون فلسفياً.. لماذا؟ لأن قيمة التفلسف تنبع من طرح السؤال، والوقوف بدهشة أمام الأحداث، وحقائق الحياة والأشياء والمتغيّرات.. والذي يتمتع بملكة التفلسف لا يمكن أن تمر الأمور من أمامه مرور الكرام، بمعنى لابد أن يقف عندها طويلاً بتفحصٍ نقدي وتأملٍ عقلي.. تضج في جمجمته كثرة من الأسئلة وقليلٌ جداً من الأجوبة! وكما قال أرسطو: الدهشة هي التي تدفع بنا إلى التفلسف.. لأن الدهشة العقلية تعني يقظة العقل وتفتح الذهن وميله إلى التساؤل. وهل الدهشة الفلسفية التي هي المحك الأول للتفلسف تنحصر في تحديق العينين أو تقطيبة الجبين وامتعاضة الوجه ومن ثم الوقوف سلبياً إزاء الموجودات والمرئيات والوقائع الحياتية اليومية؟ لا ليس هذا المقصود بالطبع.. فالدهشة هنا سمة إنسانية وكل إنسان فيلسوف، وهي تعني هنا الشوق إلى المعرفة كدهشة سقراط الأولى عندما كان يسير في الطرقات ويتحدث إلى الناس يسألهم ويجادلهم ويحرّضهم ويعرف أن الآخرين أكثر معرفة منه ربما لكنهم ليسوا بأكثر جرأة وشجاعة.. وكان كلما اكتسب معرفةً جديدة تفجّرت في حدقتيه ينابيع الشوق والتحدي فيزداد قناعةً بأنه لم يعرف بعد.. فيطلق ساقيه في شوارع أثينا في بحثٍ جديد عن المعرفة.. عن الحقيقة.. والفضيلة، وقلبه يكاد ينفجر فرحاً ونشوةً.. هنا يكمن سر الفلسفة إذن.. إنها البحث الذي لا يُكل عن المعرفة وسر الوجود وضميره.
إن من علامات عدم التفلسف هو عدم الدهشة. الإنسان غير المندهش هو البليد الذي يعتقد توهماً أنه العارف كلياً، أي الإنسان المالك للحقيقة المطلقة واليقينيات الساكنة. والرأي السائد هو أن التفلسف خوض في التصورات المجردة والمفاهيم المطلقة المعلقة في السماء أو هو بحث في الماهيات والجوهريات والحقائق غير الملموسة، وهذا الرأي غير دقيق، بل أقول لقد أنزلت في القرن الماضي كل هذه التصورات والمفاهيم إلى الأرض.. إلى قاع الواقع واختُبرت في سياق الحياة اليومية وتحوّلت الكثير من المفاهيم الفلسفية والتأملات العقلية إلى أدوات لفهم الواقع وتحليله وسبر بنياته كمفهوم الشك عند ديكارت ومفهوم النقد عند كانط والتغيير عند ماركس، لقد كانت المفاهيم الفلسفية التي أنتجها هؤلاء الفلاسفة وغيرهم وهي في سعيها الحثيث لتغيير الواقع كانت تبحث في الواقع والميتا واقع، وفي الطبيعة وما وراء الطبيعة واضعة اللبنات الأولى في التكوّن والصيرورة والتغيير. إن الذهن الذي يمضي في ضوء التفكير الفلسفي هو ذهن منورٌ لا يمكن أن يقبل الأمور كما هي، كما لا يمكن أن يقبل منطق الوصاية الفكرية، يقول إيمانويل كانط: المنور هو الإنسان الخارج من حالة القصور الفكري إلى الإنسان القادر على التفكير بمعزلٍ عن الآخرين.. وهنا لا يتحدد التفكير الفلسفي فقط في الخروج من حالة القصور الذهني إزاء الوجود والحياة والكون بل يتعداها إلى تفسير هذا الوجود وكل وجود جديد وإعطاء معنى أخلاقي له.. أي البحث عن ضميره الإنساني، تفسير لمعنى الإنسان وتحليل ممكناته وقدراته متخطياً بذلك -أي التفكير الفلسفي- ضرورة التفسير والتحليل إلى ضرورة التحويل والتغيير.
لماذا يصبح التفكير الفلسفي ضرورياً لتكوين وعي نقدي؟ لأن التفكير الفلسفي يسبح في فضاءات الحرية ويخرج من ربقة المألوف والسائد.. ويحطم أغلال التقاليد المستحكمة.. وهذا الخروج والانطلاق الذهني في حد ذاته هو تحرر من دوغما اللحظة الفكرية الساكنة.. وهو تمرد في الآن ذاته على سكونية اللحظة الحضارية.. على اكتمالية الحقيقة.. ويقينية التاريخ وحتميته. ولأن التفكير الفلسفي، تفكير إبداعي بالضرورة.. ويجتهد في النظر إلى الوجود والمتغيّرات برؤى متعددة.. ويقلبها على كل الوجوه والاحتمالات.. أي يأخذ كل حدث وكل متغيّر في نسبيته لا مطلقيته. إنه بالضرورة أيضاً تفكير سببي لا رغبي، بمعنى أنه يبحث في جذرية الأشياء وانبثاقاتها الأولى.. إذن هو المهاد الأول للبحث العلمي وهذا واحد من أسس العقل النقدي. ولأن التفكير الفلسفي، تفكير تحليلي.. يعاين ثم يحلل.. ثم يستنبط، فهو دون شك تفكير عقلاني، والعقلانية والمأسسة إحدى سمات التفكير النقدي. إنه بالنتيجة ينفتح على التراكم المعرفي والعقلي الإنساني كله ويؤسّس عليه استنتاجاته وتصوراته، لذا فهو بالضرورة تعددي.. يقبل الآخر.. ويختلف معه، لكن يحاوره بجدالية رفيعة. كيف يصبح التفلسف ممكناً؟.. كيف تصبح الفلسفة حاجة تربوية وفكرية مجدّداً.. فاعلة ومؤثرة في حياتنا اليومية؟ هناك من يقول بانتفاء ضرورة الفلسفة في عصر الثورة المعلوماتية الذي نعيشه راهناً.. أي في عصر انتصار العلم، وبالتالي فإن الفلسفة في حراكها القديم وفي مشهد أطروحاتها الكبرى قد انتفت.. ووصلت إلى نهاياتها التاريخية، ولا حاجة للعلم لمقدمات فلسفية جديدة، ولا تحتاج الحياة لتفلسف جديد ولا تحتمل ترف التأمل العقلي في البداهات والموجودات والمتغيرات، فالعلم والإنتاج العلمي حل محل الفلسفة وألغى تلك المنطقة الوسطى بين الدين والعلم!.. فهل تصمد هذه النظرة القاتمة للفلسفة أمام الحاجة الملحة للتفلسف في عالمنا المعاصر؟ هذا الكلام قد يثير غباراً كثيفاً في حقلنا الفكري العربي، ويبدو كأنه يدحض مقولة حاجتنا الآن إلى قيمة التفلسف والإبداع الفلسفي.. لكن السؤال الذي يطرح نفسه هنا: ألسنا -راهناً- في حالة قصور فكري بيّن؟.. أما تزال تُمارس علينا وصاية فكرية مزدوجة؟.. في تقديري أن الخروج من حالة القصور الفكري التاريخي حضارياً، لا شك تبدأ من حقلها الثقافي.. الفكري، باستئناف القول الفلسفي من جديد وباستعادة محركات الإبداع الفلسفي من جديد التي خمدت وتكلست منذ أن وضعت الفلسفة والاشتغال فيها موضع الشبهة وفي دائرة الزندقة.. ولا يتم ذلك إلا باستعادة التراث الفلسفي/النهضوي العربي برمته في محطاته العقلانية التنويرية، وضرورة قتله بحثاً، وفحصاً وهضماً، ثم تجاوزه إلى الأفق الفكري المتجدد والمنفتح على المستقبل.