في سنوات الدراسة المتوسطة والثانوية كانت «الرحلة المدرسية» حديث الحارة كلها.. لأنها الحدث السنوي الأبرز الذي يترقبه الطلبة بشغف قبل حزم الحقائب وتجهيز الأمتعة استعداداً لمغادرة الرياض نحو المنطقة الشرقية.
كنا نقضي في تلك الرحلة ثلاثة أيام نتشارك الاستعداد لها بتقاسم الأدوار.. لكن ما أود الإشارة إليه هنا هو السكن، فقد كان إما في بيوت الشباب أو في فصول إحدى المدارس.
لقد كنا نعتقد أن تلك الرحلات للنزهة فقط، ولكن تبين لنا بعدما كبرنا أنها رحلات عملية لصقل الشخصية وتعزيز الاعتمادية والانضباط وبناء علاقة عميقة وعفوية مع البيئة والمجتمع.
ولكن.. وبمرور الوقت وتسارع أحداث الحياة في تلك الحقبة، توقفت هذه الأنشطة فجأة أو قلت بشكل ملحوظ! وأغلقت المدارس الأبواب على طلابها، فلا رحلات جماعية ولا مسابقات رياضية كدوري المدارس ولا أنشطة مجتمعية تطوعية كأسبوع المرور والشجرة والكشافة، أو أنشطة ثقافية خارج أسوار المدرسة.
يقابل ذلك رحلات «كشتات» زملاء العمل أو الشباب إما إلى البر أو شواطئ البحر، التي كانت تتم باجتهاد فردي غير منظم.. وكسابقتها أصبحت الكشتات اليوم شبه معدومة! لكن المفارقة في واقعنا الوظيفي المعاش أن «شغف السفر الجماعي» لم يمت! فكثيراً ما نرى مبادرات ينظمها بعض زملاء العمل لقضاء إجازات خاطفة سوياً هنا وهناك وكثيرا منها خارج المملكة.
وبما أني ذكرت خارج المملكة أثار تساؤلي إصرار بعض الجهات الحكومية على مكافأة الموظفين بدورات تدريبية وورش عمل بالخارج! التي أرى فيها فرصة فريدة من الممكن اقتناصها وبخاصة لو استطعنا استقطاب المتدربين من الخارج! فتحفيز الموظف لابد أن يقرن بتوطين الإنفاق ورفد للناتج المحلي عبر دعم المنشآت المحلية الصغيرة والمتوسطة من نزل ريفية ومزارع سياحة زراعية أو كرفانات وخدمات نقل وإرشاد، فتتحرك بذلك عجلة التنمية في وجهاتنا الجديدة.. فما المانع أن تقام ورشة عمل بالعلا أو دورة تدريبية في عسير، أو اجتماع مجلس إدارة في إحدى المحميات الملكية!
ما دعاني لاستدعاء تلك الذكريات هو محفزات ما نعيشه اليوم من نهضة سياحية غير مسبوقة، متنوعة ومنتشرة في مناطق المملكة، ما يجعلنا بحاجة ماسة لإعادة إحياء ثقافة «الرحلات الجماعية المنظمة» ليس على مستوى المدارس فحسب بل يتعداها إلى الجهات الحكومية ومؤسسات القطاع الخاص برؤية عصرية وممكنات جديدة توسع من مستهدفات رؤية 2030 ودعم اقتصاديات المدن المضيفة.
علاوة على الأثر الاقتصادي، تلعب هذه الرحلات دوراً حيوياً في تعزيز برنامج «جودة الحياة» والصحة العامة للموظف والطالب على حد سواء.. فالخروج من بيئة المكاتب والمدارس نحو متنفس متجدد يقلل من عملية الاحتراق الوظيفي وضغوط الدراسة.
أما على الجانب الإداري، فتسهم الرحلات المشتركة في بناء رأس المال الاجتماعي داخل منظمة العمل.. حين يخالط القياديون موظفيهم على مائدة تواصل غير رسمي تُذيب الحواجز والتكلف الإداري.
كما أن توزيع المشاركين في أنشطة تفاعلية أو تنافسية تصنع ذكريات مشتركة وتكشف عن إمكانات وطاقات الأشخاص التي لا تظهرها ساعات العمل التقليدية، مما يسهم في رفع مستوى الارتباط الوظيفي والإنتاجية عند العودة.
ولتحويل هذه الفكرة إلى واقع مستدام، يتعين على الجهات الحكومية والشركات والجامعات تبني «السياحة التحفيزية والرحلات الجماعية»، واختصرها بخدمة «كشتة» كسياسة مؤسسية منظمة يمكن تحقيقها عبر شراكات إستراتيجية مع وزارة السياحة لتوفير باقات سفر مخفضة للمجموعات، وإعادة تأهيل وتطوير نزل الضيافة الاقتصادية والمزارع لاستقطاب المجموعات السياحية بطابع تنافسي جذاب، مع إدراج هذه الأنشطة كمعيار قياسي ضمن مؤشرات بيئات العمل والدراسة المتميزة.
إن إحياء الرحلات الجماعية في العمل والمدرسة هو تلاقٍ ذكي بين بناء الإنسان وتنمية المكان، فهي غير أنها كفيلة بإبقاء ثرواتنا داخل وطننا ستعمل على صناعة مجتمع سياحي حيوي مستعد لاستضافة الآلاف من السياح والزوار.. على سبيل المثال تصفيات كأس العالم ٢٠٣٤.
نحن نعلم أن البوصلة قد اتجهت بالفعل نحو سياحة الداخل، لكننا بحاجة إلى استحداث محفزات جديدة وإشراك جهات ذات اختصاص كوزارة الموارد البشرية والتنمية الاجتماعية، ووزارة التعليم، والغرف التجارية.. فمستقبل الوطن السياحي يُبنى بروح الفريق الواحد.