لم تعد الحسابات الرسمية في وسائل التواصل الاجتماعي مجرد منصات لنشر الأخبار، بل أصبحت أحد أهم أدوات الاتصال المؤسسي وأحد أبرز الأصول غير الملموسة في بناء السمعة وإدارة الصورة الذهنية وتعزيز الثقة، فالحساب الرسمي يمثل المنظمة أمام جمهورها ويوثق تاريخها ويحفظ إنجازاتها ويعكس ثقافتها ويشكل مرجعاً إعلامياً يعتمد عليه المنسوبون والجمهور ووسائل الإعلام والباحثون وصناع القرار.
فمن واقع الخبرة الإدارية والممارسة الأكاديمية في مجال الاتصال والإعلام يمكن القول إن كثيراً من المنظمات لا تزال تدير حساباتها بمنطق إدارة المحتوى بينما يفترض أن تدار بمنهج الاتصال الإستراتيجي وإدارة السمعة، فهناك فرق كبير بين إنتاج محتوى وبين بناء ذاكرة مؤسسية متكاملة، ومن أكثر الأخطاء شيوعاً أن تقتصر إدارة الاتصال على نشر المحتوى الذي أنتجته بنفسها بينما تتجاهل أخباراً أو تقارير أو إشادات أو جوائز أو تصنيفات أو إنجازات نشرتها وسائل إعلام أخرى أو جهات رسمية أو شركاء أو شخصيات مؤثرة وكأن قيمة الخبر مرتبطة بمن نشره أولاً، لا بقيمته في تعزيز صورة المنظمة. والحقيقة أن الحساب الرسمي يجب أن يكون المظلة التي تجمع كل ما يخص المنظمة بغض النظر عن مصدر النشر مع حفظ الحقوق والإشارة إلى المصدر عند الحاجة.
ففي الاتصال المؤسسي لا يبحث الجمهور عن السبق الصحفي وإنما يبحث عن المرجع الرسمي، وعندما لا يجد الإنجازات التي تحققت للمنظمة في حسابها الرسمي بينما يجدها منشورة في منصات أخرى تبدأ قيمة الحساب الرسمي بالتراجع لأنه لم يعد يعكس الواقع المؤسسي بصورة متكاملة، ولا يقل خطورة عن ذلك اختزال الحساب الرسمي في أخبار قائد المنظمة، فمن الملاحظ في بعض الجهات أن غالبية المحتوى يدور حول لقاءات المسؤول الأول واجتماعاته واستقبالاته وصوره حتى يبدو الحساب وكأنه حساب شخصي للقائد لا منصة تمثل منظمة كبرى تضم آلاف المنسوبين وعدداً من الإدارات والمبادرات والمشروعات، ولا يعني ذلك التقليل من أهمية حضور قائد المنظمة فهو يمثل رأس الهرم الإداري وقراراته وتوجيهاته وإنجازاته جزء من المحتوى المؤسسي، لكن الاحترافية تكمن في تحقيق التوازن بحيث يكون القائد حاضراً بوصفه قائداً للمنظمة لا بوصفه المحتوى الوحيد للحساب، فالمؤسسة الناجحة هي التي تبرز نجاح فرق العمل وتحتفي بإنجازات إداراتها وتوثق جهود منسوبيها وتسلط الضوء على المبادرات والمشروعات والخدمات لأن نجاح القائد الحقيقي يقاس بنجاح المؤسسة التي يقودها.
فعندما يطغى الحضور الشخصي للمسؤول على المحتوى المؤسسي فإن الرسالة التي تصل إلى الجمهور الداخلي هي أن الظهور أهم من الإنجاز وأن المؤسسة تدور حول شخص لا حول منظومة عمل وهذا يضعف الانتماء ويقلل الحافز لدى العاملين ويؤثر في مصداقية الحساب الرسمي الذي يفترض أن يكون صوت المنظمة بكل مكوناتها لا صوت فرد فيها مهما كانت مكانته.
كما أن الاحترافية في إدارة الحسابات الرسمية لا تقتصر على إبراز الإنجازات وصناعة المحتوى الإيجابي بل تظهر بصورة أوضح عند التعامل مع الأخبار السلبية والملاحظات العامة والأزمات المفاجئة، فالحساب الرسمي لا يختبر في لحظات النجاح فقط بل يختبر مهنياً في لحظات الضغط والضعف حين تتسارع الروايات وتتعدد المصادر ويبحث الجمهور عن معلومة دقيقة يمكن الوثوق بها.
وفي البيئة الرقمية لم يعد الصمت موقفاً محايداً، فغياب التوضيح الرسمي يفتح المجال أمام الاجتهادات والمعلومات الناقصة والتفسيرات المتعارضة وقد يسمح لرواية غير دقيقة بأن تتحول إلى حقيقة مستقرة في أذهان الجمهور، وكلما تأخر الحساب الرسمي في تقديم المعلومة فقد جزءاً من قدرته على قيادة المشهد الإعلامي وأصبح في موقع الدفاع بعد أن كان يفترض أن يكون المصدر الأول للمعلومة.
لكن سرعة الاستجابة لا تعني التسرع، كما أن الشفافية لا تعني كشف كل التفاصيل دون تقدير للمصلحة العامة، فالإدارة الاحترافية للأزمة تبدأ بالحضور السريع ثم تقديم المعلومات الدقيقة ثم تحديثها كلما ظهرت حقائق جديدة، والجمهور لا ينتظر من المنظمة أن تعرف كل شيء منذ اللحظة الأولى لكنه ينتظر أن يشعر بأنها حاضرة ومسؤولة وصادقة في تواصلها، والتوضيح المهني لا يقوم على الإنكار أو تبرير الخطأ أو الدخول في جدل مع الرأي العام وإنما يقوم على عرض الحقائق وشرح ما حدث وبيان الإجراءات التي اتخذتها المنظمة وما ستتخذه لاحقاً، وإذا ثبت وجود قصور فإن الاعتراف به وشرح معالجته يعزز الثقة أكثر مما يضعفها لأن المصداقية لا تبنى بادعاء الكمال وإنما بالشفافية وتحمل المسؤولية.
ومن واقع الممارسة الإدارية والأكاديمية فإن أكثر ما يضر سمعة المنظمات ليس وقوع الخطأ بل سوء إدارة الاتصال أثناء الأزمة، فكثير من الأزمات كان يمكن احتواؤها في ساعات لكنها تضخمت بسبب الصمت أو التأخر أو تضارب التصريحات أو حذف التعليقات أو تجاهل تساؤلات الرأي العام، وعندها تتحول الأزمة من مشكلة تشغيلية إلى أزمة ثقة وهي الأصعب في المعالجة والأطول أثراً.
كما أن إدارة الأخبار السلبية لا تنتهي بإصدار بيان صحفي بل تتطلب متابعة مستمرة لما يدور في المنصات الرقمية وتصحيح المعلومات المغلوطة وتحديث الجمهور بالمستجدات وتوحيد الرسائل الإعلامية بين جميع الحسابات التابعة للمنظمة، فإدارة الأزمة عملية اتصال متواصلة وليست منشوراً ينشر ثم ينتهي أثره.
والمنظمة التي تتعامل مع النقد المهني باعتباره فرصة للتطوير وتستمع إلى جمهورها وتوضح الحقائق في الوقت المناسب تبني رصيداً كبيراً من الثقة يصعب أن تهزه أزمة عابرة، أما المنظمة التي لا تظهر إلا عند الإنجازات وتختفي عند التحديات فإنها تفقد تدريجياً مكانتها بوصفها المصدر الأكثر موثوقية للمعلومات المتعلقة بها.
لقد تطورت وظيفة الاتصال المؤسسي من إنتاج الأخبار إلى إدارة السمعة وإدارة المعرفة وإدارة العلاقة مع أصحاب المصلحة ولذلك لم يعد نجاح الحساب الرسمي يقاس بعدد المنشورات أو الصور أو مقاطع الفيديو ولا بعدد المشاهدات فقط بل بقدرته على بناء ذاكرة مؤسسية متكاملة تعكس الحقيقة وتحفظ تاريخ المنظمة وتوثق إنجازاتها وتبرز جهود جميع منسوبيها وتدير أزماتها بمهنية وتكون المرجع الأول لكل ما يتعلق بها.
وللأسف لا تزال بعض المنظمات تقيس نجاح حساباتها بعدد المتابعين أو المشاهدات أو الإعجابات، بينما هذه المؤشرات لا تعكس بالضرورة نجاح الاتصال المؤسسي، فقد يحقق منشور آلاف المشاهدات دون أن يضيف قيمة حقيقية لسمعة المنظمة في حين أن بياناً واحداً أو توثيق إنجاز أو معالجة أزمة باحترافية قد يحقق أثراً إستراتيجياً يفوق مئات المنشورات، ولذلك فإن المعيار الحقيقي لنجاح الحساب الرسمي هو مقدار ما يبنيه من ثقة وما يحققه من مصداقية وما يحفظه من ذاكرة مؤسسية وما يقدمه من قيمة للجمهور.
إن الحساب الرسمي لم يعد مجرد نافذة رقمية تنشر الأخبار بل أصبح أصلاً إستراتيجياً في إدارة السمعة وبناء الثقة وحفظ الذاكرة المؤسسية، والمنظمة التي تدرك هذه الحقيقة ستتعامل مع حسابها بوصفه أحد أهم استثماراتها في الاتصال المؤسسي لا مجرد منصة للنشر اليومي، فكل منشور يوثق حقيقة، وكل توضيح يبني ثقة، وكل إنجاز يحفظ ذاكرة، وكل ذلك يصنع في النهاية سمعة منظمة تصعب منافستها.