عام 2019 مررت بتجربة شخصية أعتز بها كثيراً، حيث كُلِّفت برئاسة اللجنة الإعلامية في أول معرض طيران دولي يُقام في المملكة العربية السعودية، ثم جاءت جائحة كورونا لتتسبّب في إلغاء نسخة 2021، قبل أن يحل «معرض الدفاع العالمي» مكان «معرض الطيران»، ويحقق نجاحات كبيرة عاماً بعد عام.
منذ تلك التجربة، أصبحت أنظر إلى معارض الطيران نظرة مختلفة، فالزائر يرى الطائرات على الأرض، ويشاهد العروض الجوية الرائعة، والأجنحة التي تعرض أحدث التقنيات، بينما يرى العاملون في هذا القطاع ما هو أبعد بكثير، المكان الذي تُولد فيه الأفكار، وتُرسم فيه ملامح الصناعة لسنوات طويلة قادمة.
أمس الأول انطلق حدثان يعدّان من أهم معارض الطيران في العالم، معرض فارنبرة الدولي في المملكة المتحدة، ومعرض أوشكوش في الولايات المتحدة. وقد يظن البعض أن المعرضين يؤديان الدور نفسه، بينما الحقيقة أن كلاً منهما يمثل مدرسة مختلفة في عالم الطيران.
فارنبرة يمثل عالم الصفقات والتكنولوجيا والسياسات الصناعية، فيه تلتقي الحكومات والمصنّعون، وشركات الطيران، وشركات المحركات ومطوري الأنظمة، وهيئات الطيران والمستثمرين.
في أروقته تُعلن طلبيات بمليارات الدولارات، وتُكشف برامج جديدة، وتُناقش تشريعات وتنظيمات تؤثر في مستقبل الصناعة بأكملها. كثير من القرارات التي غيرت خرائط النقل الجوي بدأت من قاعات الاجتماعات.
أما أوشكوش، فيمثل ثقافة الطيران والمجتمع والهواة، والابتكار من القاعدة إلى القمة، يلتقي فيه الطيار المتقاعد مع الطالب المستجد، وصانع الطائرات المنزلية مع مهندس عمل في أكبر شركات العالم، والعائلة التي جاءت لمشاهدة العروض مع طفلها الذي يحلم بأن يصبح طياراً.
في أوشكوش يُقدَّم عالم الطيران بوصفه شغفاً وثقافة وأسلوب حياة، وليس مجرد صناعة.
هذا الاختلاف يعطينا صورة متكاملة عن صناعة الطيران. فالمصانع تحتاج إلى أسواق، والأسواق تحتاج إلى مستخدمين، والمستخدمون يحتاجون إلى مجتمع يؤمن بالطيران ويستثمر فيه ويتفاعل معه ويقوده نحو المستقبل، لذلك حافظ المعرضان على مكانتهما لعقود طويلة، رغم اختلاف فلسفة كل منهما.
أيضاً تؤدي معارض الطيران وظيفة اقتصادية مهمة، فالشركات تستعرض منتجاتها وتبحث عن عملاء وموردين وشركاء ومستثمرين، وفي الوقت نفسه تستفيد الدول المستضيفة من تدفق الوفود، وأنشطة الفنادق والمطاعم ووسائل النقل، والتغطيات الإعلامية العالمية، وهي مكاسب تبقى آثارها حتى بعد انتهاء المناسبة.
غير أن الجانب الأهم هو بناء الإنسان، آلاف الطلاب يزورون هذه المعارض، ويلتقون بطيارين ومهندسين وروّاد فضاء وخبراء تصنيع، وكثير من المسارات المهنية تبدأ من زيارة واحدة، أو حديث قصير أو تجربة داخل قمرة قيادة، أو مشاهدة محرك تم تفكيكه أمام الجمهور، الاستثمار الحقيقي يبدأ بإلهام الأجيال.
السعودية تدرك قيمة هذه الفعاليات، لذلك شهدت السنوات الأخيرة حضوراً سعودياً متنامياً في أهم معارض الطيران العالمية، سواء عبر الهيئة العامة للطيران المدني، أو شركات الطيران أو المؤسسات الوطنية العاملة في القطاع. وهذا الحضور يعكس حجم التحول الذي يشهده قطاع الطيران، ويعزّز فرص جذب الاستثمارات ونقل المعرفة وبناء العلاقات مع الشركاء الدوليين.
وقد أثبت معرض الدفاع العالمي الذي يقام كل عامين في ملهم (شمال الرياض)، أن المملكة قادرة على تنظيم فعاليات دولية بمستوى رفيع، تجمع بين التنظيم الاحترافي والحضور الدولي والزخم الإعلامي والمردود الاقتصادي.
تنظيم المعارض الكبرى أصبح صناعة قائمة بذاتها، وليست مجرد حدث يقام ثم ينتهي، وعندما تُفتح أبواب فارنبرة وأوشكوش في اليوم نفسه، تبدو الصورة وكأن العالم يحتفل بالطيران بطريقتين مختلفتين؛ الأولى تتحدث بلغة الاقتصاد والإستراتيجية، والثانية تتحدث بلغة الشغف والإنسان، وبين اللغتين تنمو الصناعة وتتطور تقنياتها وتتوسع أسواقها، وتجد الأجيال الجديدة فيها آفاقاً للتحليق.
تنتهي المعارض بعد أيام، وتغادر الطائرات مكان العرض وتزال ديكورات الأجنحة، لكن الأثر يبقى سنوات طويلة في ملفات الشركات وخطط الحكومات، وأحلام الشباب ومستقبل صناعة لا تزال تثبت أن السماء هي معرضها الأكبر.