هل يُقاس نجاح الجهات الحكومية بعدد الفرص الاستثمارية التي تطرحها، أم بالقيمة الاقتصادية التي تصنعها؟ عندما أعلنت وزارة البلديات والإسكان طرح أكثر من 13 ألف فرصة استثمارية خلال النصف الأول من عام 2026، اتجهت الأنظار إلى الرقم، لكن الرقم في حد ذاته لا يخبرنا بالكثير. من منظور اقتصادي، لا تعني الأرقام الكبيرة بالضرورة إنجازات كبيرة، لأن القيمة الحقيقية لا تكمن في عدد الفرص المعلنة، بل في قدرتها على جذب الاستثمارات، وخلق الوظائف، وتحويل الأصول العامة إلى محركات للنمو. في الاقتصاد، لا تُقاس النجاحات بعدد المبادرات، وإنما بالأثر الذي تتركه على الاقتصاد الحقيقي.

من هذا المنطلق، فإن ما يحدث اليوم في القطاع البلدي يتجاوز كونه برنامجًا لطرح فرص استثمارية، ليعكس تحوّلًا مؤسسيًا أعمق في طريقة إدارة الأصول العامة. اليوم، الأراضي والمرافق البلدية تجاوزت فكرة كونها ممتلكات حكومية يجب الحفاظ عليها، لتُعامل كرأسمال اقتصادي ينبغي تعظيم عائده وتحويله إلى محرك للنمو.

هذا التحوّل يمثّل نقلة مهمة في فلسفة العمل الحكومي. لوقت قريب، كان نجاح الجهة الحكومية يُقاس بحجم ما تمتلكه من أصول أو بعدد المشاريع التي تنفذها. أما اليوم، فقد أصبح المعيار أكثر تطورًا، كم من استثمار جذب هذا الأصل؟ وكم وظيفة وفر؟ وما مقدار القيمة المضافة التي خلقها للاقتصاد؟ وهذا ببساطة يؤكد أن وزارة البلديات والإسكان أحدثت نقلة من إدارة الممتلكات إلى إدارة القيمة.

بالتوازي مع ذلك، تغيّر دور القطاع الخاص أيضًا. الحكومة أصبحت تركّز على التخطيط والتنظيم وتهيئة البيئة الاستثمارية، بينما يتولى القطاع الخاص التمويل، والتطوير، والتشغيل، والابتكار. هذا التحوّل لعب دورًا مهمًا في تخفيف العبء عن المالية العامة، وقاد إلى رفع كفاءة استخدام الأصول، وزيادة الإنتاجية، وتعزيز تنافسية الاقتصاد.

تتجاوز أهمية هذا التحوّل القطاع البلدي نفسه؛ فهو يرتبط مباشرة بأحد أهم مستهدفات رؤية المملكة 2030، والمتمثل في رفع مساهمة القطاع الخاص في الناتج المحلي الإجمالي إلى 65 %. الوصول إلى هذا الهدف لن يتحقق عبر زيادة الإنفاق الحكومي وحده، وإنما من خلال خلق فرص استثمارية حقيقية تمكّن القطاع الخاص من توظيف رأس المال، وتطوير الأصول العامة، وتوسيع النشاط الاقتصادي في مختلف المناطق والقطاعات.

كل أرض بلدية تتحوّل إلى مشروع تجاري، أو مرفق سياحي، أو مركز صحي، أو منشأة رياضية، أو مشروع لوجستي توسع النشاط الاقتصادي، وتخلق فرص عمل، وتحفّز سلاسل الإمداد، وتولد إيرادات جديدة، وهو ما ينعكس في نهاية المطاف على ارتفاع مساهمة القطاع الخاص في الناتج المحلي الإجمالي. من هنا، فإن الاستثمار في الأصول البلدية أداة لتحقيق أحد أهم مستهدفات التحوّل الاقتصادي في المملكة.

وهنا يبرز مفهوم اقتصادي مهم يعرف بالعائد على الأصول العامة. الأصل الحكومي لا ينبغي أن يُقاس بقيمته الدفترية أو بمساحته، وإنما بقدرته على توليد قيمة اقتصادية واجتماعية مستدامة. الأرض غير المستغلة تمثل تكلفة فرصة ضائعة، في المقابل تتحوّل الأرض المطورة إلى مصدر للإيرادات، ومحرك للاستثمار، وأداة لتحسين جودة الحياة.

التجارب الدولية تقدّم نماذج واضحة في مثل هذا التحوّل. على سبيل المثال في سنغافورة، يكمن سر نجاحها الاقتصادي في الإدارة الإستراتيجية للأصول العامة. على الرغم من محدودية الأراضي، تبنّت الحكومة نهجًا يقوم على تعظيم القيمة الاقتصادية لكل أصل، وربط قرارات استخدام الأراضي بالعائد الاقتصادي والاجتماعي طويل الأجل، وبذلك أصبحت الأصول الحكومية مصدرًا لتمويل البنية التحتية وتعزيز الاستدامة المالية، بدلاً من أن تكون مجرد ممتلكات تحتفظ بها الدولة. لم تقتصر هذه الفلسفة على سنغافورة، فقد تبنّت أستراليا برامج إعادة تدوير الأصول، بينما اعتمدت بلديات كندية على شراكات واسعة مع القطاع الخاص، في تأكيد عالمي على أن كفاءة استثمار الأصول أصبحت أهم من مجرد امتلاكها.

هذه التجارب تؤكد أن التحوّل الذي تشهده المملكة ليس استثناءً، بل هو جزء من اتجاه عالمي يعيد تعريف دور الدولة في الاقتصاد. الدول الحديثة لم تعد تقيس نجاحها بحجم الأصول التي تمتلكها، وإنما بقدرتها على تعظيم العائد منها، وتحويلها إلى أدوات للنمو والإنتاجية والاستدامة المالية.

من هذا المنظور، فإن إعلان وزارة البلديات والإسكان لا ينبغي أن يُقرأ باعتباره خبرًا عن 13 ألف فرصة استثمارية، بل باعتباره مؤشرًا على تحوّل اقتصادي أعمق؛ تتحوّل فيه البلديات من جهات تقدم الخدمات إلى جهات تصنع الأسواق، وتمكن الاستثمار، وتدير الأصول بعقلية اقتصادية. هذا التحول قد يكون أحد أهم الإصلاحات الاقتصادية الهادئة التي تشهدها المملكة، لأنه يعيد صياغة العلاقة بين الدولة والقطاع الخاص، ويجعل الأصول العامة أكثر قدرة على خلق الثروة بدلاً من الاكتفاء بالحفاظ عليها.